موقع اكوالتي

موقع اكوالتي

تعليم | بحوث دراسيه | نشاطات ثقافيه | تقارير علميه | ترجمة نصوص اجتماعيه | علماء | علوم | اخبار | دراسات | منوعات
 
موقع اكوالتي  الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  English  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 أمريكا والعالم | نقاش: الدكتور عبد المنعم المشاط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اداب بوك
Admin
avatar

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1367
تاريخ التسجيل : 08/07/2010

مُساهمةموضوع: أمريكا والعالم | نقاش: الدكتور عبد المنعم المشاط   2011-05-16, 03:20

حوارات حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية

زيبيجنيو برجنسيكي وبرنت سكوكروفت: أمريكا والعالم



نقاش: الدكتور عبد المنعم المشاط

يعد هذا الكتاب، الذي صدر قبل انتخاب الرئيس أوباما بأقل من عام، هامًا للغاية، وتعود أهميته إلى ما يلي:

أولاً- أن كلا من المؤلفين يعد من أهم رؤساء مجلس الأمن القومي؛ فقد كان برجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر، وقد استطاعا معًا التوصل لاتفاقات كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، وهو يحمل ماجستير في العلاقات الدولية من جامعة هارفارد حول "القوة الروسية والإمبريالية السوفيتية" وله مؤلفات عديدة، منها الفرصة الثانية والقوة والمبادئ، وهو مستشار في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، وأستاذ بجامعة جونز هوبكنز. أما سكوكروفت؛ فقد كان مستشارًا للأمن القومي لكل من الرئيس جورج بوش الأب، والرئيس فورد، كما كان المساعد العسكري للرئيس نيكسون، وهو رئيس مؤسسة سكوكروفت، ومؤلف مشارك مع الرئيس جورج بوش الأب بكتاب "عالم تحول"، أما ديفيد اجناتيوس؛ فهو صحفي مرموق في صحيفة الواشنطن بوست، وكان المحرر التنفيذي لصحيفة هيرالد تريبون الدولية، وقضى عشر سنوات مراسلاً لصحيفة وول ستريت جورنال.

"
يعكس هذا الكتاب الخبرة السياسية والإستراتيجية العميقة لكلا المؤلفين وكذلك للصحفي المحاور، وقد تحدثا بطلاقة وبحرية كاملة حول خبرتهما الأمريكية والدولية دون أن يتعرضا للحرج أو الخوف من المساءلة؛ حيث إن لهما الحق في المعلومات الواجب توصيلها إلى الناس

"
ثانيًا- يقع الكتاب فيما يربو على 300 صفحة، وتنقسم المناقشات إلى ثمانية فصول/ قضايا تدور حول ما ينتظر الرئيس الأمريكي الجديد: كيف وصلنا إلى ما نحن عليه، الأزمات التي تسببنا فيها، قضيتان لم يتم حلهما، أهمية الانفتاح على الصين والشرق الأقصى، الدولة الممتدة دون حدود طبيعية (الاتحاد السوفيتي)، المشاركة الحتمية، سياسة ثقافة الكرامة الإنسانية، المائة يوم الأولى في البيت الأبيض.

وتغطي هذه القضايا أهم ما يشغل الولايات المتحدة في المستقبل، وهكذا؛ فإنه كتاب مستقبلي، يتناول بالنقاش كيفية صون الدور القيادي للولايات المتحدة الأمريكية في العالم.

ثالثًا- الكتاب نموذج لما يمكن أن نطلق عليه "الوفاق الحزبي" بين أنصار الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الوقت الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى ذلك، إذ أن برجنسكي ديمقراطي الارتباط والتوجه، بينما سكوكروفت جمهوري، ومع ذلك؛ فإن نقاشهما حول دور الولايات المتحدة في حل القضايا، وما ينبغي على الرئيس الجديد أن يقوم به، لم تبرز فيه الخلافات السياسية أو التباينات الحزبية بين المستشارين، فالهدف هو المصلحة الأمريكية العليا، والتي تتغلب الانتماءات الحزبية الضيقة. ولعل ذلك يشكل درسًا مهمًا للسياسيين والمثقفين العرب الذين يعلون من انتماءاتهم الأيديولوجية والسياسية والحزبية وربما الدينية على المصالح القومية، سواء فيها القطري أو القومي العربي.

رابعًا- الكتاب أيضًا يعكس الخبرة السياسية والإستراتيجية العميقة لكلا المؤلفين وكذلك للصحفي المحاور، وقد تحدثا بطلاقة وبحرية كاملة حول خبرتهما الأمريكية والدولية دون أن يتعرضا للحرج أو الخوف من المساءلة؛ حيث إن لهما الحق في المعلومات الواجب توصيلها إلى الناس، وهذا درس آخر، فالسياسيون العرب السابقون كثيرًا ما يمتنعون عن الحديث في السياسة خشية المساءلة أو غضب النظم السياسية عليهم، كما أن معظم النظم السياسية العربية تحرم تداول الوثائق (وفيها الخبرات العملية) لمدة لا تقل عن خمسين عامًا.

خامسًا- درج الأمريكيون من كلا الحزبين أثناء الانتخابات على إعداد كتاب جديد للرئيس القادم، وهذا خلاف للبرنامج الانتخابي للرئيس والذي يعده الحزب، يتم فيه تحديد أهم التحديات التي تواجهه وكيفية التعامل معها، خصوصًا في مجال السياسة الخارجية، إلا أن هذا الكتاب وإن لم يصدر عن أي من الحزبين، أو بتكليف من أي من المرشحين، يؤدي هذا الغرض الهام، والمتعمق في قراءته يجد بوضوح أن فريق الرئيس أوباما قد استفاد كثيرًا من الأفكار التي وردت فيه.

سادسًا- بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط؛ حيث يسود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي؛ كصراع سياسي مستمر ومعقد؛ فإن الكتاب هام للغاية؛ حيث يستغرق الحوار حول هذا الصراع أكثر من 25% من الكتاب، كما أنه يظهر من جديد عند الحديث عن قضايا أخرى كبرى كالإرهاب واحتلال العراق والحرب في أفغانستان والحديث عن الدور الأوروبي، وتحليل الالتزامات الأمريكية تجاه إسرائيل والفشل المتوالي لعدد من الإدارات الأمريكية في حل هذا الصراع، وخطورة استمراره على أدوات تحقيق المصالح القومية الأمريكية.

سابعًا- على الرغم من أن المناقشات تمت في عام 2008 وقبل وقوع الأزمة المالية في الولايات المتحدة؛ فإن المؤلفين تحدثا بوضوح عن احتمالات الأزمة المالية نظرًا لانفراد الولايات المتحدة بالانفاق على مقاومة الإرهاب الدولي، ونظرًا لتكريس السياسة الخارجية الأمريكية جل اهتمامها لهذه القضية على ما عداها، ونظرًا لعدم إقدام أي طرف دولي لتقديم أية مساعدة للولايات المتحدة، على العكس التام لما جرى في حرب تحرير الكويت؛ حيث أقدمت دول الخليج العربي على المشاركة الفورية في تكاليف الحرب وتحملها كاملة دون تردد. كما دعا المؤلفان إلى ضرورة الإعلاء من مفهوم المشاركة مع الدول الكبرى، وخاصةً أوروبا، والتخلي عن الادعاء بتفرد الولايات المتحدة في قيادة للنظام الدولي، ويتفق ذلك مع مقالتنا في مجلة السياسة الدولية عدد أكتوبر 2009 بشأن تحول النظام الدولي منذ أوائل عام 2009 إلى نظام تعددي توافقي بعد أن كان نظام انفراديًا منذ عام 1991 تقوده القوى العظمى الوحيدة آنذاك، وهي الولايات المتحدة.

وسوف نتناول فيما يلي عرضًا لأهم القضايا التي حفل بها الكتاب:

1- التحول العالمي إلى القضايا المشتركة.

"
على الولايات المتحدة أن تغير إستراتيجيتها وأدواتها، إذ لا يمكن تطبيق قواعد ومفاهيم الحرب الباردة في نظام العولمة الأكثر انفتاحًا وليبرالية، وفي هذه الحالة؛ فإن الاستخدام المفرط للقوة العسكرية وحدها يؤدي إلى إهدار الموارد وانتشار الصراعات والعداء، ويتعارض مع قيم العولمة

"
عشية انتخاب الرئيس الأمريكي أوباما حدث تحول ضخم في النظام الدولي يتمثل في وجود يقظة سياسية عالمية واسعة الانتشار؛ حيث صارت الجامعات الصغرى والأفراد في القرى والنجوع تهتم بالحياة السياسية الدولية وقضاياها، ولم يكن ذلك موجودًا من قبل، ولاشك أن ذلك يؤدي إما إلى التعاطف والمساندة في حالة الشعور بالامتنان من السياسات المختلفة، أو إلى الامتعاض والمعارضة بل والكراهية في حالة عدم الرضا عن سياسات بعينها، كما حدث تحول في القوى إلى الشرق الأقصى وخاصة الصين؛ ففي الوقت الراهن لا يقل معدل النمو الاقتصادي في الصين عن 8.5% ، وتمتلئ عواصم العالم المختلفة بالمنتجات الصينية والمعالم الصينية، كما يزيد الإحساس اليوم، أكثر عن ذي قبل، بالقضايا الدولية المشتركة كقضايا المناخ والتنمية المستدامة، والفقر، والجوع، ونقص الدواء والأمراض المستعصية، ويرتبط بكل ذلك فقدان الثقة في الولايات المتحدة التي اتبعت إستراتيجية وثقافة نشر الخوف بدلاً من الثقة في المستقبل.

وهكذا، وبينما انتهت الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي في 25 ديسمبر عام 1991، إلا أن ذلك لم يحرر العالم من حالة عدم اليقين التي خلقتها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر عام 2001. وفوق ذلك؛ فقد شهد العالم في سنوات جورج بوش أفولا شديدا في السياسة الخارجية، وبروزا كبيرا لدور وزارة الدفاع الأمريكية، مما أدى إلى مضاعفة القلق في العالم كله، لقد اعتمد جورج بوش على القوة وحدها لدرجة التورط في حروب شاملة في منطقة وعرة تمتد من الحدود الروسية إلى المحيط الهندي، ومن سيناء إلى الهند والصين، ونظرًا لعدم تحقيق أي نصر عسكري في أفغانستان أو العراق؛ فقد فقدت الولايات المتحدة الشرعية والمصداقية معًا، ولم يتعلم جورج بوش من دروس التاريخ أن انهيار الإمبراطوريات الكبرى يعود في جوهره إلى التوسع الكبير خارج حدودها الوطنية، وفشلها في التكيف مع التحولات التي يعرفها العالم من حولها. ومما يزيد المسألة تعقيدًا التحول الضخم إلى العولمة، وهي تختلف عن نظام تجاور القوى حيث تقضي العولمة على الحدود التقليدية بين الدول، وتنشر المعارف التكنولوجية والبيئية، وتخلق تطلعات وتوقعات ضخمة لدى مختلف الشعوب والأمم، وتتطلب، وهذا هو الأهم، من القوى العظمى إعادة صياغة المؤسسات والعلاقات، والإقدام على مبادرات خاصة في مناطق الصراعات والعنف، وذلك لإثبات قدرتها على القيادة وحل النزاعات، وإلا وقعت في نفس الفخ الذي وقعت فيه الإمبراطوريات الكبرى، ومن ثم؛ تقوم بتدمير الذات وفقدان القدرة على التحكم والقيادة، ويجب على القوة المسيطرة أن تتحول من قوة الحفاظ على الوضع القائم
Status Quo إلى قوة تغيير Transforming Power وإلا انحدرت إلى قوة عظمى ولكن من الدرجة الثانية.

وهكذا، كان على الولايات المتحدة أن تغير إستراتيجيتها وأدواتها، إذ أنه لا يمكن تطبيق قواعد ومفاهيم الحرب الباردة في نظام العولمة الأكثر انفتاحًا وليبرالية، وفي هذه الحالة؛ فإن الاستخدام المفرط للقوة العسكرية وحدها يؤدي إلى إهدار الموارد وانتشار الصراعات والعداء، ويتعارض مع قيم العولمة، وفي الوقت ذاته؛ فإنه لا يمكن فرض قيم القوة العظمى بصورة مطلقة على الآخرين، ولا شك أن تحرك الرئيس جورج بوش الابن في سياسته الخارجية ضد الإرهاب الدولي يشير بوضوح إلى انزلاقه في فخ نصبه له بن لادن زعيم القاعدة؛ حيث حدد الأخير له وللقوى الكبرى المتحالفة معه أولوياتهم في مقاومة الإرهاب، وهو مصطلح غامض والحرب ضده رديئة لا حدود لها ولا قيود عليها، وبينما حدد كل طرف غايته في تدمير الآخر، فقد نجحت القاعدة في إلحاق أكبر أزمة للنظام الرأسمالي في القرن الواحد والعشرين، وهي الأزمة الحادة التي مازالت تعاني منها الدول الرأسمالية، هذا بينما اكتسبت القاعدة أراضي جديدة في العراق واليمن والصومال حتى الآن، كما أن الهيستريا القومية التي أثارها بن لادن عمقت الاتجاه الديني لدى بوش، فصار المحرك الرئيسي له في إستراتيجيته الخارجية -وكذلك سياساته الداخلية- بصورة أساءت إلى الولايات المتحدة.

على الرئيس القادم حسب الخبيرين أن يعيد التفكير في الإستراتيجية الأمريكية ورؤيتها للعالم، وكما تم توسيع مجموعة الثمانية
G8 إلى مجموعة العشرين G20؛ فإنه يمكن التفكير جديًا في تطوير الأمم المتحدة التي أنشئت عام 1945، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي واللذين أنشئا عام 1944، كما يمكن التفكير في إنشاء منظمات دولية جديدة للاستجابة للأزمات وإلا حلت الفوضى محل الاستقرار، وفي ضوء ذلك؛ فإن القيادة الأمريكية مهمة للغاية شريطة أن تقوم على الإلهام وليس على الإرغام، أي قيادة أمريكية عن طريق الاتفاق العالمي، وفي هذه الحالة، على الرئيس أن يلعب دور الأستاذ بالنسبة للشعب الأمريكي، إذ عليه أن يقنعه بضرورة تحقيق مصالح الآخرين والتخلي عن الأنانية الأمريكية والانغلاق على الذات، وعليه كذلك أن يزرع فيهم احترام الآخرين والتعارف عليهم.

2- الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي

"
يرى المؤلفان أنه من الصعب سياسيًا وإنسانيًا الانسياق وراء السياسة الإسرائيلية كما فعل جورج بوش الابن، إذ لا يمكن قبول محاباة إسرائيل ومساندة أعمالها العسكرية غير الأخلاقية وغير الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وإن كان التصدي لذلك يستلزم شجاعة أدبية من الأمريكيين

"
لعب برجنسكي دورًا أساسيًا إلى جانب الرئيس كارتر في التوصل إلى اتفاقات كامب ديفيد عام 1978 ، واتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية عام 1979، والتي كان لها أثر كبير على تغيير نمط التفاعلات العربية- الإسرائيلية وتحسين صورة الولايات المتحدة كوسيط بين الطرفين، كما شارك سكوكروفت إلى جانب الرئيس جورج بوش الأب بعد حرب تحرير الكويت عام 1991 في عقد مؤتمر مدريد للسلام وبدء السلام الأردني- الإسرائيلي، ثم التوصل إلى اتفاقات أوسلو عام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وفي هذا الصدد؛ فإن عدم النجاح في حل هذا الصراع يؤجج مشاعر العداء ضد الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الملتزمة بأمن إسرائيل لكنها لا تعلب دور الوسيط الفاعل بين الطرفين، ولاشك أن المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن في السياسة الخارجية بين الطرفين مع الالتزام بأمن إسرائيل والحفاظ على الصداقة الخاصة معها، ولقد فشلت سياسة جورج بوش حينما صنفت حماس على أنها منظمة إرهابية ونسيت أنه لم يكن مسموحًا للأمريكيين فيما سبق الحديث مع أعضاء منظمة فتح، وهي الآن تتفاوض مع إسرائيل، وكذلك الأمر بالنسبة لحماس؛ فإن مآلها، إذا تحسنت ظروف التسوية مع إسرائيل، التحول إلى الاعتدال، وقد قدم المؤلفان أسسًا أربعة للتسوية بين الطرفين مع ترك التفاصيل لهما، لأنه لا ينبغي على الولايات المتحدة فرض حل وإن كان من واجبها المساعدة على التوصل إلى حل، بعض هذه الأسس مؤلمة لأي من الطرفين، وهي كالدواء المر الذي ينبغي تجرعه للتغلب على المرض:

*
عدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل، على العكس من قرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى العودة أو التعويض، وهذا مؤلم للفلسطينيين.

*
اقتسام القدس؛ حيث تصير القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين وتكون القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، وهما يعتقدان بأن ذلك يعد دواءً مرًا على إسرائيل تجرعه.

*
العودة إلى حدود عام 1967 بعد إجراء تعديلات طفيفة؛ فلا يمكن أن يظل الإسرائيليون يمتلكون 78% من الأراضي، بينما يسيطر الفلسطينيون على أقل من 22%.

*
إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح، ويمكن إرسال قوات أمريكية على غرار قوات الأمم المتحدة على طول نهر الأردن لحفظ السلام.

ويشير سكوكروفت إلى أن الفلسطينيين والعرب يتطلعون إلى سياسات أمريكية أكثر نشاطًا وحيادًا وفاعلية، كما فعل جورج بوش الأب عام 1991 حينما رفض تقديم ضمانات بمقدار 10 مليار دولار لقروض بناء المستوطنات، وهذا الموقف لم يحدث من قبل ويمكن ألا يحدث مرة أخرى، ولكنه أيضًا أودى بانتخابه لفترة أربع سنوات أخرى، ولكنه كان قرارًا مهمًا لكسب ثقة العرب في الولايات المتحدة، ويرى المؤلفان كذلك أنه من الصعب سياسيًا وإنسانيًا الانسياق وراء السياسة الإسرائيلية كما فعل جورج بوش الابن، إذ لا يمكن قبول محاباة إسرائيل ومساندة أعمالها العسكرية غير الأخلاقية وغير الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وإن كان التصدي لذلك يستلزم شجاعة أدبية من الأمريكيين، كما هوجم الرئيس الأسبق كارتر لأنه ذكر في كتابه الأخير مصطلح "الفصل العنصري" لوصف الجدار الإسرائيلي العازل للشعب الفلسطيني، ويعتقد الخبيران أنه، بالنسبة لإسرائيل؛ فإن مخاطر توقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين أقل بكثير من مخاطر استمرار الصراع معها، لأن السلام يعني تحول الطرفين إلى سنغافورة الشرق الأوسط، ولماذا لا تنظر إسرائيل بجدية أكبر إلى كل من دبي وقطر واحتمالات التعاون معهما بعد الاتفاق مع الفلسطينيين، كما يعني السلام كذلك تفويت الفرصة على إيران وحشد العرب كمؤيدين للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وهكذا؛ فإنه ينبغي على الرئيس القادم أن يضع القضية الفلسطينية وحل الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني على قائمة أولوياته، والواقع أن الرئيس أوباما حاول جاهدًا أن يفعل ذلك؛ فقد وجه خطابين للعالم الإسلامي من تركيا والقاهرة ودعا فيهما إلى المشاركة وحل الدولتين كما طالب إسرائيل بوقف الاستيطان، بيد أنه بعد مرور عام من توليه السلطة لم يحقق نجاحًا يذكر في هذا الشأن، بل على العكس من ذلك، وكما ورد في مقالتي في الأهرام ويكلي بعنوان "أوباما بين المطرقة والسندان" يوم الخميس 4 فبراير 2010
(
http:/ / weekly.ahram.org.eg/2010/984/sc3.htm)؛
فقد رضخ للشروط الإسرائيلية، ووقع كغيره من الرؤساء الأمريكان في الفخ الصهيوني.

3- الحرب في العراق وأفغانستان

"
يجب الاستعداد للانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان قبل مزيد من التورط وفقدان مصداقية الولايات المتحدة خصوصًا في هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة الملامسة للصين وروسيا ووسط آسيا وإيران

"
كتب برجينسكي عددًا من المقالات ضد احتمالات الهجوم العسكري على العراق واحتلاله، وكان يرى أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الكراهية للولايات المتحدة في المنطقة كلها؛ حيث يوجد ثلثي الاحتياط العالمي للبترول، كما أنه سيكون من الصعب للغاية الخروج من العراق، ولا شك أن الرئيس بوش أصدر أوامره باحتلال العراق دون توافر معلومات صحيحة أو صادقة عن إمكاناته العسكرية أو احتمالات وجود قدرات نووية لديه أو وجود صلات بين صدام حسين والقاعدة، ولقد صار الاحتلال العسكري الأمريكي جزءًا أساسيًا من مشكلة العراق، ولذلك يجب الإسراع بالانسحاب منه؛ فقد اتخذت أمريكا قرارات أدت إلى مزيد من عدم الاستقرار، فالحاكم العسكري بول بريمر حل الجيش العراقي وحزب البعث واضطهد أعضاءه، وأصدر دستورًا ضعيفًا يكرس تجزئة العراق، وهكذا ينظر العراقيون إلى الأمريكيين كاستعماريين مستغلين وليس كمحررين لدولتهم، وفي الوقت الذي يدعو فيه برجينسكي إلى الانسحاب السريع وتحميل العراقيين مسئولية أمن واستقرار دولتهم، يرى سكوكروفت أنه ينبغي التأني حتى يتم وضع الأمور في نصابها مع الدول الإقليمية الأخرى وخاصةً إيران، ويرى أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الاستقرار واحتواء العنف وإن كان الاثنان يريان أهمية وجود قوات أمريكية محدودة لحفظ الأمن شريطة موافقة العراقيين على ذلك.

وفيما يتصل بأفغانستان، يعتقدان بأنه ينبغي الإصرار على مشاركة الدول الكبرى في تحمل المسئولية المشتركة لاحتواء القاعدة وطالبان، وإن حذرا من الضربات العسكرية العشوائية التي تصيب المدنيين، ومن ثم؛ تؤجج مزيدًا من الكراهية للولايات المتحدة، وفي هذا الإطار، حذرا الإدارة الأمريكية من محاولات الضغط على باكستان لفتح أراضيها للقوات الأمريكية بصورة أكبر مما يتم الآن، كما حذراها كذلك من التدخل في الشئون الداخلية الباكستانية، ومن أهمية التعامل بحذر مع الهند المنافس التقليدي لباكستان، و بأنه من الضروري تحييد الجيش الباكستاني في الصراع القائم أو أي صراع مستقبلي لأنه مستقل إلى حد كبير عن رئيس الدولة ورئيس الوزراء، ويعتقدان أيضًا أن السياسة الحالية إزاء الدولتين لن تفلح في تحقيق انتصار نهائي، وإنه يجب الاستعداد للانسحاب العسكري قبل مزيد من التورط وفقدان مصداقية الولايات المتحدة خصوصًا في هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة الملامسة للصين وروسيا ووسط آسيا وإيران.

ومنذ أيام عقد في لندن مؤتمر دولي أيدته الولايات المتحدة يسعى إلى الحوار مع طالبان ومحاولة دمجها في النظام السياسي الأفغاني تمهيدًا لانسحاب القوات الأجنبية، وعلى الرغم من أن هذه محاولة هامة إلا أنها تأخرت على الأقل تسع سنوات كان يمكن خلالها تعديل المعادلة الإستراتيجية هناك، ولكنه نفس الخطأ الذي وقعت فيه الإدارة الأمريكية في العراق؛ حيث تم استبعاد القوى السياسية والعسكرية الفاعلة من العملية السياسية، ومن ثم؛ لجأت إلى القتال والمقاومة المسلحة.

4- المعضلة الإيرانية: عدو صعب أم حليف محتمل

"
لا تزال الإدارة الأمريكية في عه الرئيس أوباما متأثرة بعهد الرئيس بوش الذي رفض التفاوض مع إيران ومتأثرة كذلك برؤية وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون؛ حيث ترى عدم التفاوض وفرض مزيد من العقوبات على إيران

"
قدم الأمريكيون خدمات إستراتيجية جليلة لإيران؛ حيث أزاحوا أعداءها الإقليميين المتمثلين في طالبان أفغانستان وصدام العراق، وخلقوا لديهم نشوة سياسية مهمة، فقادة إيران يرون أنها لحظةً تاريخية أمامهم كقوة إقليمية تستطيع أن تستعيد دورها التاريخي الفارسي والشيعي في آن واحد، ولقد كانت إيران تلعب دورًا مركز الاستقرار السياسي في عهد الشاه وحتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وتعد إيران نموذجًا فريدًا لدولة إقليمية؛ فهي شيعية في محيط سني، وفارسية في محيط عربي، وهي دولة متعددة القوميات والأقليات العرقية ما بين فرس وبلوش وهزاره، مما يغري الآخرين بالتدخل فيها لإثارة تلك النعرات، وهو ما لم يحدث من قبل ويستبعد حدوثه، كما أن سياسة العزلة والمقاطعة التي فرضها جورج بوش على إيران لا يمكن أن تفلح في لجم زمام إيران، ومن ثم؛ فإنه من الضروري فتح باب الحوار معها كما تفعل أوروبا، والسؤال الأهم يتمثل في كيفية وقف التوسع الإيراني في منطقة هشة مفعمة بالصراعات والتوتر والعنف، بعد أن امتد نفوذها إلى سوريا ولبنان بطريق حزب الله، وامتد إلى الفلسطينيين في غزة عن طريق حماس، كما امتد إلى الكويت والبحرين والإمارات والمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية ناهيك عن العراق عن طريق الشيعة، ويمتد كذلك إلى الصومال واليمن ودول إسلامية أخرى، إن نقطة البدء في وقف هذا التوسع تتمثل في التوصل إلى سلام فلسطيني- إسرائيلي لأن استمرار الصراع والغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 أثمرا عن وجود وقوة حزب الله، كما أن العدوان الإسرائيلي على غزة فتح الباب أمام النفوذ الإيراني، ويضاف إلى ذلك أن الاحتلال الأمريكي للعراق أدى إلى تكريس إمساك الشيعة بمقاليد القوة نكاية في السنة مما أدى إلى ترويج لنفوذ إيراني لم يسبق له مثيل في العراق.

فهل يمكن للولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية ضد إيران؟ هذا ممكن لأنه لا يوجد أي توازن عسكري بين الطرفين، وإن كان ضعف إيران هو مصدر قوتها؛ حيث يمكن أن تستغل الفوضى في الإقليم لصالحها، و خلق فوضى وعدم استقرار في الخليج بسهولة ويسر؛ فالإيرانيون مازالوا يحلمون بتصدير الثورة ولديهم أمل كبير في إمكانيات ذلك في المستقبل كما أن شعوب الإقليم مستعدة لذلك نظرًا للإحباط السياسي الداخلي وكرد فعل للغطرسة الإسرائيلية، وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت وراء الدعم العسكري لإيران في عهد الشاه واعتمدت عليه في تحقيق الاستقرار في الخليج، كما أن إسرائيل دعمت إيران الثورة في حربها ضد العراق دون تشاور مع الولايات المتحدة، وهكذا تسعى كل دولة لتحقيق مصالحها دون النظر إلى مصالح الآخرين، ولقد ظهر ذلك جليًا في موقف مختلف الدول إزاء مسألة تخصيب اليورانيوم في إيران، إذ لا يوجد اتفاق تام بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا إزاء ذلك، فالروس والصينيون يمدون المحطة النووية في بوشهر بالوقود النووي، وموقف الولايات المتحدة صحيحٌ استراتيجيًا لمحاولة منع التخصيب وإنتاج الأسلحة النووية وإلا سعت دول إقليمية أخرى للقيام بنفس الشيء (مصر، تركيا، المملكة العربية السعودية)، بيد أن تلك الضغوط لم تنجح في منع التخصيب بسبب إصرار إيران عليه، واقتناعها بأنها لحظة تاريخية لا ينبغي تضييعها أو التفريط فيها.

والسؤال الآن هل يمكن أن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية؟ أم تسمح لإسرائيل للقيام بذلك أم تقوم بها إسرائيل دون التشاور وتتورط فيها الولايات المتحدة؟

من الناحية العسكرية؛ فإنه يمكن ضرب إيران والقضاء على عملية التخصيب، وفي هذه الحالة، لن يسعى جيرانها الإقليميون للقيام بتخصيب مماثل، بيد أن الآثار الإقليمية لهذه الضربة ستكون شديدة الخطورة ويمكن أن تنتشر إلى الدول المحيطة خاصةً باكستان ودول الخليج؛ حيث تتعاطف الدول الإسلامية مع إيران ضد الغرب، كما سيؤثر ذلك حتمًا على الاقتصاد الدولي الذي يعاني فعلاً من انكماش، وهكذا، تعتبر الدبلوماسية أكثر رقيًا وتطورًا وحرصًا للتعامل مع إيران.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية لا تزال متأثرة بعهد الرئيس بوش الذي رفض التفاوض مع إيران ومتأثرة كذلك برؤية وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون؛ حيث ترى عدم التفاوض وفرض مزيد من العقوبات على إيران، وفي الوقت ذاته يصعب على الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية ضد إيران قبل سحب القوات الأمريكية من العراق وتحديد طبيعة نظام الحكم، وقبل تحقيق نجاح ما في أفغانستان ذات الحدود الطويلة مع إيران، ويرى المؤلفان ضرورة الحوار الاستراتيجي مع إيران، وحذرا من أية مفاوضات سرية مع عناصر غير هامة في النظام.

هل يمكن أن تقوم إسرائيل بذلك بدلاً من الولايات المتحدة؟ ربما يكون ذلك ممكنًا في ضوء جمود عملية التسوية السلمية بين إسرائيل وفلسطين وفي ضوء العداء السوري/ الإسرائيلي المتصاعد وفي ظل رئاسة بنيامين نتنياهو لحكومة إسرائيلية يمينية متطرفة.

5- الانفتاح شرقًا: الصين، الشرق الأقصى، الهند واليابان

على العكس من القيود الداخلية في الولايات المتحدة من جانب قوى الضغط الصهيونية وأنصارها على الحركة السياسية في الشرق الوسط، تتمتع الولايات المتحدة بحرية اكبر في التعامل مع الشرق الأقصى، وهكذا، ينبغي الانفتاح وبمرونة على الصين؛ حيث يتحرك الصينيون بمنطق عملي ويتجنبون الجمود الأيديولوجي، فهم يسعون إلى الاندماج في النظام العالمي دون السعي للسيطرة عليه، وفي التعامل مع الصين يجب ألا تعبر الولايات المتحدة عن سيطرتها على كل التفاعلات الدولية ؛ لأن الصين تتجه إلى المرونة والانفتاح والاستفادة من العولمة دون الخصام مع أية أطراف أخرى، وقد نجحت الصين في تحقيق معجزة اقتصادية وإن لم يمتد ذلك وبنفس الدرجة إلى التطور السياسي.

و البعض يريد أن يستخدم ورقة تايوان ضد الصين فهو مخطئ، وينبغي الاعتراف بوجود "صين واحدة ونظامين"، كما لا يمكن إثارة مسألة التبت بصورة تخلق عداء مع الصين، ولا شك أن الولايات المتحدة تحتاج إلى الصين في قضايا عديدة وعلى رأسها قضايا التسلح النووي في كوريا الشمالية؛ حيث لعبت الصين دورًا إيجابيًا في إطار مفاوضات الدول الست مع كوريا الشمالية، التي لا تستطيع أن تغضب الصين لأنها مدخلها التجاري إلى العالم، وهكذا، يمكن للصين أن تتولى إقناع كوريا الشمالية بالاستجابة للمطالب الأمريكية بوقف النشاط النووي، وهذا دور مهم في حد ذاته، يضاف إلى ذلك أن الصين تأتي في المرتبة الثانية بعد اليابان في الاستثمار في سندات الحكومة الأمريكية، إذ يتم استثمار الفائض التجاري مع الولايات المتحدة في شراء تلك السندات ولا يمكن أن نتوقع أن تقوم الصين باستخدامه ضد استقرار الدولار الأمريكي لأن ذلك سوف يضر بمواردها الاستثمارية ضررًا بليغًا، من ثم؛ يجب البحث عن التوافق والتناغم مع الصين.

وهكذا الأمر بالنسبة لليابان، والتي تعد الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين، ومنذ أن وضعت الولايات المتحدة قيودًا على القوة العسكرية اليابانية أطمئنت اليابان إلى عدم وجود تهديد خارجي لها، ومن ثم؛ صارت الصين شريكًا أسيويًا بينما اليابان شريكا في المحيط الهادي، ولا ينبغي أن تضع الولايات المتحدة نفسها في مأزق الاختيار بين الصين واليابان لأن كليهما مهم في السعي نحو تحقيق الأمن الدولي، خصوصًا بعد أن تحولت الصين تحولاً هائلاً نحو الاندماج في النظام العالمي إلى حد إرسال قوات عسكرية ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وكذلك إقلاعها عن استخدام قدراتها النووية كقوة ردع في آسيا أو في أي مكان في العالم، ولا شك أن انضمام الصين إلى كلٍّ من منظمة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) كمراقب وإلى منظمة شنغهاي للأمن والتي تضم كلا من روسيا ودول وسط آسيا، يشير إلى سعي الصين لتحقيق استقرار سياسي واستراتيجي في المحيط الذي تعيش فيه، كما أنها تقدم نموذجًا هامًا يجمع ما بين التقدم الاقتصادي الملحوظ والتقدم التكنولوجي المتطور، بينما تسود السلطوية السياسية، ولذلك لا ينبغي الدفع بمفاهيم الديمقراطية هناك؛ حيث إن هذا المفهوم غير واضح ولا يلائم الدول كافة؛ فمثلاً إذا تم تطبيق النموذج الديمقراطي الأمريكي في الشرق الأوسط. في مصر، سوف يصل الإخوان المسلمون إلى السلطة، وننتقل إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة، وفي هذا الإطار، يجب أن يُنظر إلى الولايات المتحدة كقوة توازن وليس كقوة دخيلة تفرض رؤاها على الآخرين. وقد حاول جورج بوش -وأخفق- تطبيق الديمقراطية في الشرق الأوسط حسب النموذج الأمريكي، كما أن تقسيم الدول إلى نموذجين؛ دول ديمقراطية ودول غير ديمقراطية، ليس في صالح الولايات المتحدة التي ينبغي أن تغلب مصالحها القومية، وليس نوع النظم السياسية الحاكمة.

أما بالنسبة للهند؛ فإن العلاقات الأمريكية معها تتسم بالتقلب الشديد، إذ لم تساعد الهند الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة بسبب قوة العلاقات الأمريكية- الباكستانية، كما أنها لا تساعد الولايات المتحدة الآن في أفغانستان، ولذلك؛ فإن الاتفاق الأمريكي مع الهند بشأن التعاون النووي وإعفاء 14 مفاعلاً نوويًا من التفتيش الدولي ليس في صالح الولايات المتحدة؛ لأنه يثير باكستان من ناحية، ويسمح للهند بإنتاج أسلحة نووية دون قيد، ومن ناحية أخرى، ولا شك أن هذا الاتفاق كان مهمًا جدًا للهند لموازاة الصين، ولكنه أدى إلى تأجج الغضب في باكستان، كما نظرت الدول الإسلامية إليه باعتباره موجهًا ضد المسلمين. وإذا كان الدافع لدى جورج بوش هو الاعتقاد بأن الهند دولة ديمقراطية؛ فإن تلك الديمقراطية خادعة، إذ تتسع الفجوة الاجتماعية في الهند، وتزداد مشكلة الأمية، كما أنها تعبر عن توجه فوقي من أحزاب نخبوية وليست شعبية.

ولا شك أن ما سبق يضع مسئولية كبرى على الإدارة القادمة لمحاولة خلق توازن في السياسة الخارجية بين مختلف تلك القوى المتنافسة، وذلك بهدف تحقيق الاستقرار في شرق وجنوب شرق آسيا وسد الطريق أمام أية محاولات لتهديد المصالح الأمريكية هناك. وفي هذا الشأن، يجب أن يرتبط الدور العالمي للولايات المتحدة بنمو الاهتمام الشعبي بالقضايا الدولية والتعرف على الشعوب والأمم والثقافات الأخرى.

6- روسيا بين النزعة القومية والأحلام السوفيتية

"
يجب أن تقوم إستراتيجية الإدارة الأمريكية الجديدة على محاولة احترام النفوذ الروسي داخل حدوده القومية حتى لا تصير روسيا مرة أخرى -مثل الاتحاد السوفيتي- دولة بلا حدود

"
اخترت هذا العنوان من وحي مناقشات المؤلفيْن، ومن إدراكهما لما حدث للاتحاد السوفيتي السابق وما آلت إليها روسيا، ومن الفكر الروسي القومي لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين، و الخبيران يدرك كل منهما الدور الرئيس الذي لعبه رئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق ميخائيل جورباتشوف في الإطاحة بالاتحاد السوفيتي للأبد، على الرغم من أن هدفه كان تطويره وتقويته، ولكن بطرق جديدة؛ فمنذ صدور كتابيه جلاسنوست والبيروسترويكا أدرك جورباتشوف أنه من العسير على الاتحاد السوفيتي أن يستمر بنفس الترتيبات والمؤسسات والسياسات التي أقيم عليها بعد الحرب العالمية الثانية؛ فقد أيقن أن هناك نموًا فريدًا وقويًا للقوميات التي تشكل الاتحاد السوفيتي بما في ذلك القومية الروسية، ونظرًا لتميزه عن القيادات السوفيتية السابقة بالمرونة والسرعة في التحرك؛ فقد رأى أنه يمكن تقوية بنيان الاتحاد السوفيتي بتحويله إلى كونفيدرالية أشبه بالاتحاد الأوروبي، بيد أن الأمر أفلت منه وقضى على االقوة العظمى الثانية، وتحول النظام الدولي في 25 ديسمبر 1991 إلى نظام أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة.

وبعد وصول الرئيس بوتين إلى السلطة، وهو الروسي القومي، بدأ يفكر -وما زال- في إمكانية إعادة الهيمنة الروسية على شرق أوروبا ووسط آسيا، وكان يسعى إلى عزل دول وسط آسيا عن أوروبا، وكان الغاز الطبيعي والبترول لهذه الدول يمر عبر روسيا إلى أوروبا، وحاول كذلك فرض السيطرة على جيرانه ذوي الأهمية الإستراتيجية مثل أوكرانيا وجورجيا، ومن ثمّ؛ حاول ونجح في إعادة القوة إلى روسيا و إلى لعب دور استراتيجي دولي تنافس به الغرب على المستوى العالمي. ويرى الخبيران أنه يجب توسيع حلف الناتو لكي يضم دولاً مهمة في أوروبا، وعليه الالتزام بحماية كل من أوكرانيا وجورجيا من الخطر الروسي، وإن كان يجب أن يكون ذلك بتأن كبير وحرص شديد حتى لا تغضب روسيا، وكذلك ضرورة البحث عن المصالح المشتركة على المستوى الدولي والتشاور ثم التعاون بشأنها مثل منع الانتشار النووي، وضرورة التهدئة وتحقيق الاستقرار في البلقان، ولا شك أن إنشاء منظمة تعاون شنغهاي بين دول وسط آسيا وكل من الصين وروسيا يؤكد سعي الدولتين إلى تحسين العلاقة بينهما وعدم الوقوع في فخ السياسة الأمريكية التي يمكن أن تخلق عداء بينهما.

ويجب أن تقوم إستراتيجية الإدارة الجديدة على محاولة احترام النفوذ الروسي داخل حدوده القومية حتى لا تصير روسيا مرة أخرى -مثل الاتحاد السوفيتي- دولة بلا حدود.

7- الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي

أبدى المؤلفان إعجابًا بالتجربة الاندماجية الأوروبية، والتي بدأت عام 1948 بإنشاء منظمة الحديد والفحم الأوروبية، وتوسعت شرقًا لتضم دول أوروبا الشرقية؛ فقد وصل عدد الدول الأعضاء فيها حتى الآن إلى 29 دولة، وإن كانت هناك نقطتان لم تتضحا بعد؛ الأولى مدى القوة العسكرية لأوروبا ومدى القدرة على الرفع منها، والثانية مصير الاتحاد وهل سيتحول إلى نظام كونفيدرالي أم فيدرالي على النمط الأمريكي، ويبدو أن هناك اتجاهًا نحو التحول إلى صيغة أقوى من الفيدرالية، وذلك بانتخاب رئيس للاتحاد ووزير خارجية مركزي، وعلى الرغم من مظاهر التماسك الراهنة، إلا أن هناك شعورا لدى دول أوروبا الشرقية برغبة بروكسل (الاتحاد الأوروبي) في السيطرة عليها وإدارة شئونها، هذا يحدث في الوقت الذي تتسم به حركة السكان بالديناميكية واليسر.

المشكلة التي يطرحها المؤلفان هي أن الولايات المتحدة لا تزال مسئولة عن حماية أوروبا، وتنفق على ذلك بسخاء، والدول الأوروبية استلذت ذلك تمامًا؛ فهي تسعى للحماية الأمريكية لأنها لا ترغب في المشاركة وتحمل النفقات، وهذا ما يحدث حتى خارج أوروبا كما في العراق وأفغانستان، ويرى المؤلفان ضرورة التماس العذر للدول الأوروبية بسبب ظروفهم الداخلية، وعلى الرغم من رغبة الولايات المتحدة في حماية كل من أوكرانيا وجورجيا عن طريق حلف الناتو إلا أنها لا تشجع انضمامها إليه حرصًا على عدم إغضاب روسيا. وهكذا؛ فإن الحركة الأوروبية يجب أن تكون حريصة تمامًا في تعاملها مع الدول الحدودية مع روسيا. ولذلك، ينبغي التشاور المستمر وتوسيع المشاركة الإستراتيجية مع أوروبا، ويتطلب ذلك أيضًا تشاورًا داخليًا بين الأوربيين، ثم العودة للتشاور عبر الأطلنطي مع واشنطن، ولكن لا يمكن فرض قرار عليهم، ولا يمكن كذلك اتخاذ موقف المتفرج من المنافسات بين أطراف الاتحاد، لأن المهم هو قوة الاتحاد في مواجهة الأطراف الخارجية. وإذا كانت الولايات المتحدة تدرك أن العالم صار أكثر ارتباطًا وتفاعلاً، ومتعمقًا في الاعتماد المتبادل؛ فإن الأمر يستوجب التشاور الدائم مع أوروبا الحليف الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة.

8- الكرامة الإنسانية: قيمة عليا لا خلاف عليها

"
على الرئيس أوباما تكريس وقتٍ كافٍ للسياسة والشئون الخارجية دون الانغلاق في القضايا الداخلية؛ وعليه أن يتخذ قرارات تعيد الثقة في الولايات المتحدة، وأن يطور المؤسسات الداخلية خاصةً تلك المتعلقة بالأمن القومي، وأن يغلق سجن جوانتنامو، ويجرم التعذيب، ويركز على الحقوق المدنية ويحارب ثقافة الخوف

"
يمر العالم بتغيرات ضخمة وحقيقية أشار الخبيران إلى بعضها سابقًا، فالتحول إلى العولمة حقيقة أيضًا، والتغيرات تتسم بالسرعة الشديدة، وثورة الاتصالات تؤدي إلى ثورة الغضب ، وتزايد الاهتمام بالقضايا الدولية. وفي الواقع أن توازن القوى التقليدي لا يزال معنا ولكن هناك تحولين هامين، أولهما، التغير في الإدراك الذاتي للإنسان وزيادة الوعي واليقظة في السياسية العالمية، وتحول النشاط السياسي إلى شأن عالمي يفوق الحدود، وثانيهما تحول قضايا البقاء إلى قضايا عالمية وليست محلية، والتحول الأول يخلق حالة عدم تحمل ونفاذ صبر حول عدم العدالة (الظلم) وتباين مستويات المعيشة، كما يؤجج الحسد والغيرة، ويخلق مقاومة مستديمة، ويدفع إلى الهجرة الدائمة والسريعة، كما يوضح بجلاء الخصوصيات الثقافية وما يرتبط بها من كرامة إنسانية، والتحول الثاني يعني تحول المشكلات المتعلقة بالبقاء إلى قضايا عالمية تعجز الدولة القومية وحدها عن مواجهتها أو التعامل معها، كما لا تستطيع المنظمات الدولية كذلك مواجهتها، ومن ثم؛ يجب البحث عن هيكل مختلف للنظام الدولي.

في هذا الإطار؛ فإن القيم المرتبطة بالرأسمالية والدول الكبرى صارت غير ذات قيمة لأنها غامضة وغير محددة كقيمة الديمقراطية، كما أن محاولة فرضها على الآخرين -كما حاول جورج بوش- تخلق مقاومة ثقافية وعنادًا شديدًا وعداءً لا يمكن تحمله. من ثم؛ يجب البحث عن قيم أخرى تهم الإنسانية ككل ولا تتعارض مع الثقافة الذاتية لأي شعب، مثل الكرامة الإنسانية والتي تعني الكرامة في الحياة وفيما يتم التطلع إليه، والكرامة لأولادهم ومستقبلهم والاحترام الشديد للآخرين في ثقافتهم وديانتهم. ويرتبط بالكرامة الإنسانية ولا ينفصل عنها قيمة المساواة بين البشر؛ حيث خلق الناس جميعًا متساوين وأحرارًا، وفي هذا الصدد، تستطيع الولايات المتحدة أن تتعاون وتشارك الدول الأخرى في قضايا البقاء البشري للحفاظ على كرامة البشر مثل مقاومة الفقر والعوز والجوع والدفع بالتنمية المستدامة إلى الأمام، والصحة والهواء والمدارس وغيرها.

لقد كان للولايات المتحدة الفضل في إنشاء عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، والأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وعليها اليوم أولاً أن تخرج من "فخ" الإرهاب الذي أثر على السياسة الخارجية الأمريكية وأساء لها لأن الاستمرار في ذلك يفقد الولايات المتحدة ما بقي لها من دور في العالم، وعليها في هذا الشأن الجمع بين السياسة الواقعية كما وردت في كتاب مورجنثاو "السياسة بين الأمم"، والذي رأى أن المصلحة القومية تقتضي الوصول إلى القوة وتعظيمها، ويبين الاتجاه المثالي الذي يبحث فيما ينبغي أن يكون، أن ذلك يتطلب من الرئيس الأمريكي الجديد أن يتحول إلى "الواقعي المستنير" أي الذي يحقق المصالح القومية للولايات المتحدة بالانفتاح على الآخرين وليس بالسيادة عليها.

وعلى الرئيس الجديد كذلك تكريس وقتٍ كافٍ للسياسة والشئون الخارجية دون الانغلاق في القضايا الداخلية؛ فهو يأتي إلى عالم غاضب جدًا على الولايات المتحدة، وعليه أن يتخذ قرارات تعيد الثقة في الولايات المتحدة، وعليه أن يطور المؤسسات الداخلية خاصةً تلك المتعلقة بالأمن القومي، وعليه أن يغلق سجن جوانتنامو، ويجرم التعذيب، ويركز على الحقوق المدنية ويحارب ثقافة الخوف، وعلى الرئيس الأمريكي الجديد أن يؤكد على مفاهيم المشاركة ووقف اتجاهات السيطرة، ولعل المائة يوم الأولى ستكون اختبارًا للرئيس الجديد.

خاتمة

صدر الكتاب عام 2008 قبل نشوب الأزمة المالية التي أطاحت بالنظام المالي الأمريكي والدولي، وقد استأثرت الأوضاع الداخلية الأمريكية ومحاولة إصلاح النظام المالي وخلق فرص عمل وفيرة وإعادة الثقة إلى النظام الاقتصادي وقتًا لم يكن يتوقعه المؤلفان، ولذلك فعلى الرغم من مرور عام على حكم الرئيس أوباما، وعلى الرغم من تغير الخطاب السياسي الخارجي وتمسكه بالمشاركة والتشاور إلا أنه لم يكرس وقتًا كافيًا وفاعلاً للسياسة الخارجية.

يضاف إلى ذلك، وهذه ربما نقطة متعمدة من جانب المتحاورين، أنه لم يرد -تقريبًا- ذكر السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، هل لأن المصالح الأمريكية هناك لا تواجه تهديدًا أم لأن الولايات المتحدة وتلك الدول أعضاء في منظمة الدول الأمريكية، من ثم؛ فهناك تنسيق وتشاور منظم أم أنها تأتي كأولوية أخيرة ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية؟ وقد يبدو ذلك أمرًا غريبًا في ضوء النفوذ الصيني المتزايد في منطقة أمريكا اللاتينية خاصةً في البرازيل والأرجنتين.

ومع ذلك؛ فإن الكتاب يعد من أفضل الكتب التي يمكن للإنسان أن يطلع عليها بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية وتحدياتها المعاصرة في مناطق الصراع والتنافس الدولي.

معلومات عن هذا الكتاب:

قامت دار السيد للنشر في الرياض بالاتفاق مع دار بيرسوس (بيزك بوكس) بالولايات المتحدة بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية د. محمود عبد الناصر جمعة وراجعه د. خالد عبد الرحمن العوض، ونشر سنة 2009م في 248 صفحة.

Title: Zbigniew, Brezezinski and Brent Scowcroft: America and the World
Subtitle: Conversations on the Future of American Foreign Policy
Interview: moderated by David Ignatius
Publisher: Basic Books, New York
Publication Year: 2008


_______________
أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز البحوث والدراسات السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://adabbook.yoo7.com
 
أمريكا والعالم | نقاش: الدكتور عبد المنعم المشاط
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع اكوالتي :: بحوث ودراسات :: منتدى الثقافي-
انتقل الى: