موقع اكوالتي

موقع اكوالتي

تعليم | بحوث دراسيه | نشاطات ثقافيه | تقارير علميه | ترجمة نصوص اجتماعيه | علماء | علوم | اخبار | دراسات | منوعات
 
موقع اكوالتي  الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  English  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ماهية الموت عند هيدجر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اداب بوك
Admin
avatar

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1367
تاريخ التسجيل : 08/07/2010

مُساهمةموضوع: ماهية الموت عند هيدجر   2011-03-04, 15:53

أولاً: التعريف بالموت
1. الموت ظاهرة يجب فهمها وجودياً
الناس من حولنا لهم أفكار غريبة أو ناقصة عن الموت. فالحياة العامة التي نحياها مع الآخرين تعّرف الموت بوصفه حادثاً يقع كل يوم. وهذا هو الالتباس الذي يقع فيه الناس حين يلغون عن الموت، فليس الموت"حدثاً" أو" حالة وفاة" أو" نهاية" تبلغها الأنا بعد أن تقطع عمراً طويلاً أو قصيراً، كما تصور لنا الأنطولوجيا التقليدية، إنما على_ حد تعبير هيدجر_ « ظاهرة يجب فهمها وجودياً». وهذه الظاهرة لا بد من توضيح معناها المتميز وتحديد معالمها.
إن الموت في نظر الناس شيء غير محدد، لابد أن يأتي من مكان مجهول يصيب مجهولين، فهو مجرد حادث يصيب كل إنسان ولا يصيب إنساناً بالذات. هو حالة مألوفة وواقع متكرر، ولهذا يهربون منه، يحجبون طابع الإمكان الذي ينطوي عليه وما يتصل به من توحد رهيب ينبع من انعدام كل علاقة واستحالة النجاة منه أو تخطيه. وهم بهذا يحرمون الآنية من أخص إمكانيات وجودها، ويزينون لها أن تضيع في الناس ومسكناتهم المألوفة عن الموت. الموت عند الناس يقيني، محتوم، لا مفر منه، ولكن هذا كله يأتي من تجربتهم بموت الآخرين، بحقيقة معروفة جربها كل الناس قبلنا، وقد تقع لمن نرعاه ونعزيه عنها، ولكنها لم تزل بعيدة عنا مؤقتاً. ومثل هذا اليقين المزعوم يلغي اليقين المميز للموت ويحجبه، يقين إمكانه في كل لحظة، وهو الذي ينبع من إمكانية الوجود الخاصة بالآنية نفسها.
يؤكد هيدجر على أن« الوجود الإنساني وجود متناه، وهذا التناهي هو مصدر القول والفعل. وإننا نمارس القول والفعل بالرغم من الموت. فالموت ليس شيئاً عارضاً بل هو نسيج الوجود الإنساني». فليس الموت إذاً حادثاً يطرأ على الحي، بل الحي يحمل الموت بين جوانحه منذ أن بدأ حياته. وإنما يوهم الناس أنفسهم بالفرار من الموت، وذلك بإحالته إلى مجرد وقائع إحصائية لعد الوفيات، أو برده إلى اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت، وكأن الموت يهم الناس ولا يهم أحداً بالذات، مع أنه« في الموت يتم الشعور بالفردية إلى أقصى درجة إذ يشعر من يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد».
2. الموت ليس الثمرة أو القمة العليا
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الموت نظرة طبيعية، كأنما هو أوج عملية النضج المستمر التي تتحقق عبر مراحل الصبا والشباب والرجولة. ولكن الموت لا يشبه سقوط الثمرة الناضجة. ويمكننا القول أن الفناء من الإنسان ليس كالحصاد من الزرع، لأن الإنسان مهدد بالموت في كل لحظة من لحظات حياته، إن لم نقل منذ بداية حياته. والموت واقعة عرضية قد تتحقق قبل الأوان أو بعده، والشباب اليانع دليل على ذلك، فعندما يصرعهم الموت لا يكونون قد أتموا النضج أو الاكتمال، بينما هو قد يمهل شيوخاً طاعنين في السن فلا يقدم إليهم إلا بعد فوات الوقت المناسب.
الموت أيضاً لا يمكن أن يكون أوج الحياة بمعنى القمة العليا التي تبلغها، فهو ليس الثمرة التي تبلغ فيها الحياة تمام نضجها، لأن الحياة لا تبلغ أعلى درجاتها في الموت، لأن الثمرة تمثل التمام بينما الموت تحطيم للحياة وقضاء عليها. وليس الموت وقوفاً للحياة كما يقف المطر، لأنه في الموت لا تختفي الحياة مجرد اختفاء، بل الحياة تنطوي على الموت منذ هي حياة. ولهذا يقول هيدجر:« إن هذا الوجود هو بطبعه وجود لفناء أو وجود للموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجاً للموت». ولذا علينا أن نفهم " إمكان الوجود" في كليته ووحدته الشاملة، ولن نفعل هذا حتى ندخل نهاية الآنية في تحليلاتنا.
ليس" موتي" واقعة تظهر في ختام حياتي، بل هو واقعة ماثلة في صميم حياتي في كل لحظة، أي هي واقعة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفسه. وليس الموت في نظر هيدجر بمثابة فكرة النهاية، بل هو واقعة الانتهاء نفسها. وهذا هو السبب في أن هيدجر لا يرى في الموت عرضاً أوحدثاً يأتي من الخارج ، بل هو يرى فيه إلى إمكانية من إمكانيات الوجود الإنساني. وإذا كان البعض قد ظن أن الموت عند هيدجر هو" استحالة كل إمكانية"، فعليهم أن يعيدوا تصحيح هذه الصيغة ويقولوا إن الموت عنده هو" إمكانية الاستحالة". وهذا
يعني أن الموجود الإنساني حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفردية وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته.
الموت إذن لا يعّبر عن اكتمال أو تحقق، لأنه لا يحقق النضوج، إنما الموت هو أسلوب في الوجود لا يكاد ينفصل عن حياة الموجود البشري. فكم من آنية انتهت قبل أن تبلغ الكمال؟ وكم من آنية بلغت الكمال قبل موتها أو انتهت مستهلكة بعيدة كل البعد عن الكمال؟ فكيف يكون الموت نهاية الآنية؟ ويعبر هيدجر عن ذلك قائلاً:« وبقدر ما تكون الآنية _ ما بقيت كائنة_ هي ما ليس بعد، بقدر ما تكون دائما هي نهايتها. والانتهاء الذي نصفه بالموت لا يعني بلوغ النهاية، بل يعني الوجود من أجل الانتهاء».
3. الوجود لأجل الموت
الموت ظاهرة من ظواهر الحياة. والحياة أسلوب وجود مرتبط بالوجود في العالم. فكأن الموت هو إمكانية عدم الوجود في العالم أو إمكانية استحالة كل إمكانية. إنه بمجرد أن ينظر الإنسان إلي العالم الموجود، فإن سرعان ما تدب فيه الشيخوخة، وكأنما هو من الهرم بحيث يمكن أن يموت. وبهذا المعني يمكننا أن نقول أن فعل الحياة، بالنسبة إلينا، إنما ينحصر في أننا نحيا موتنا! ولعل هذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، بل قد تعد نهايتنا حاضرة بمعنى ما من المعاني حتى قبل أن تحين ساعة الموت، فيكون تقبلنا للموت في هذه الحالة بمثابة انتظار مستمر للحظة النهاية.
إن الموت داخل منذ لحظة الميلاد، ولهذا وجود الإنسان وجود نحو الموت، فعلى حد تعبير هيدجر: «مع الموت يقف الوجود الإنساني أمام ذاته في إمكانيته». فإن وجودي هو وجود نحو الموت، فالموت هو الإمكانية القصوى للإنسان، وهو الذي يطرح التساؤل: ماذا أفعل بوجودي هذا المتجهة نحو الموت؟ إنه علي أن أحول وجودي إلى عمل بتكثيف إمكانياتي حتى يمكن للوجود أن ينكشف، فالموت واقف في انفتاح الوجود.
ليس الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يعرف أنه فانٍ فحسب، بل إن الإنسان أيضاً هو الموجود الوحيد الذي يدخل الموت في صميم وجوده باعتباره أعلى ما لديه من إمكانيات. فهذا الحدّ الأليم_ حد الموت أوالفناء أو التناهي_ هو الذي يحدد الوجود الإنساني ويميزه، بحيث قد يكون من الممكن أن نقول أن الوجود البشري بطبيعته" وجود للموت" أو " وجود من أجل الموت"، أي أننا مجعولون للموت. فوجودي هو الشيء الوحيد الذي أملكه، وهو أيضاً الشيء الوحيد الذي أنا معرض لفقدانه في كل لحظة.
ليس إذن للانتحار، في نظر هيدجر، أي معنى، فإنه لا يغير شيئاً من طبيعة الوجود الإنساني باعتباره وجود مجعولاً للموت. فإن الذات التي تدرك معنى" الوجود" لا تقدم على الانتحار ولا تتعجل الموت، بل هي تتقبل بحريتها ذلك" التناهي" المستمر الذي هو صميم وجودها. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة ,فإنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله، فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان". فإننا نحن نحيا كل يوم موتنا، نحياه في أقوالنا وأفعالنا وعلاقتنا. فالآنية_ من حيث هي وجود_ يجعلها تموت دائماً وبالفعل، ما بقيت موجودة ولم تبلغ نهايتها بعد. ومعنى أنها تموت دائماً وبالفعل في كل لحظة تقع بين الميلاد والوفاة، إنها اختارت بشكل من الأشكال نوع وجودها للموت.
ليس الموت براجع إلى نقص في معرفتنا العلمية، أو إلى وجود بعض الثغرات في علوم الحياة، وإنما هو الضريبة الفادحة التي لابد من أن يدفعها الموجود البشري المتناهي حتى يتسنى له أن يحقق مصيره في الزمان. وقد جعل هيدجر من الوجود البشري وجوداً متناهياً يسير نحو الموت، فقال بأن" موتي" هو أعلى إمكانية من إمكانياتي، وتلك هي إمكانية عجزي عن تحقيق أي وجود في العالم. وقد عبّر زكريا إبراهيم عن ذلك العجز، بقولاً معبراً، فقال: إن الموت:« هو مرض ميتافيزيقي لا علاج له! إنها لعنة التناهي التي تخل بالإنسان منذ ولادته، وكأنما كتب عليه أن يموت لمجرد أنه قد ولد! آية ذلك أن الإنسان" يموت"، لا لأنه" يمرض" أو" يهرم" أو" يصاب بحادث"، بل لمجرد أنه" يولد" أو" يعيش"! والموت حق على كل إنسان: فإن ضرورة الفناء لهي_ بمعنى ما من المعاني_ ماهية الحياة ».
ويمكننا أن نقول مع هيدجر أن الإنسان لا يوجد إلا في وجه الموت، مادامت الحياة والموت متداخلتين في صميم الوجود الواعي للإنسان. وهذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، ونعد نهايتنا حاضرة. فالموت إذن ليس حدثاً ولا واقعة فحسب، إنما هو يتغلغل في حياتنا كل لحظة من الميلاد إلى الوفاة.
4. الموت هو إمكانية الاستحالة
إن هيدجر يرى في الموت« أعلى إمكانية من إمكانيات الوجود البشري» ، فليس الموت عند هيدجر استحالة كل إمكانية بل الأصح هو إمكانية الاستحالة. وهذا يعني أن الموجود البشري حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفرادة وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته. فعلى الإنسان أن يتمثل للموت باعتباره أعلى إمكانية من وجوده الإنساني. وأننا لا يمكن أن ندرك ذواتنا إدراكاً كلياً شاملاً، إلا إذا عرفنا أنفسنا باعتبارنا موجودات فانية يدخل الموت في صميم إمكانيات وجودها.
الموت من حيث هو أعلى إمكانيات هذا الوجود وأشدها خصوصية وتفرداً، هو يختلف عن إمكان وجود شيء من الأشياء التي تحت تصرفنا وفي متناول أيدينا، أن نجدها حاضرة أمامنا. والآنية تسلك إزاءه مسلك الانتظار والتوتر والترقب لإمكانية ستقع يقيناً ولكن في وقت غير معلوم. ولذا يوصف الوجود للموت بأنه استباق إلى الإمكانية، أي إمكانية كل وجود أو" استحالته".إذا كانت حياتنا في صميمها هي سلسلة من المشروعات والتصميمات، أو إذا كان وجودنا هو في جوهره اتجاه مستمر نحو ممكناتنا، فإنه لابد من أن تجيء لحظة نجد فيها أنفسنا بإزاء استحالة كل إمكانية، وتلك هي لحظة الموت.
ثانياً: معضلات في طريق الموت
1. موتي أنا
إن الكائنات الحية من نبات وحيوان تنتهي، أما الإنسان فهو وحده الذي يموت. لأنه هو وحده الذي يهتم بأعلى إمكانيات وجوده وأخصها، وهي إمكانية استحالته وانتهائه وموته. وإننا نرى الآخرين يموتون، ولكننا لا نختبر بذواتنا معنى الموت بالنسبة إلى الشخص الذي يموت. ويرى هيدجر أنه حينما أتحدث عن واقعة" موتي"، فإنني أتحدث عن واقعة شخصية. فبقدر ما يكون الموت، يكون أساساً موتي أنا.
يصعب على الإنسان أن يتصور موته هو، لأن واقعة موته تضطره أن يتصور العالم بدونه، وهذا ما لا سبيل له إلى تصوره! ومن هنا فإنه يظن أن الموت قد يصيب غيره من البشر، هذا الشعور هو أن إحساس الإنسان بالوجود هو من الشدة بحيث أن كل فرد منا لينسب إلى نفسه ميزة البقاء. وعبر زكريا إبراهيم عن هذا قائلاً:« لماذا كتب علي أن أموت وحدي؟! يخيل إلي أنه ليس أقسى على نفس المحتضر من أن يشعر أنه يموت وحده، وأن العالم مستمر من بعده، دون أن يحفل بغيابه في كثير أو قليل! أليس في الموت وحدة أليمة تزيد من هوله. وتجعل منه واقعة فردية أليمة ».
يتم في الموت الشعور بالفردية إلى أقصى درجة، فيشعر الإنسان الذي يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد، وعلى حد تعبير هيدجر:« ما من أحد ينوب عن الآخر أو يحمل عنه موته». فيستحيل أن ينوب عني أحد كما يحدث في أسلوب حياتنا اليومية مع الآخرين. فقد حتم على الآنية أن تتحمل موتها بنفسها. ولا يستطيع أحد أن يحمل عنها عبء موتها فيقوم بالموت بدلاً منها. فبهذا المعنى موتي أنا هو المشكلة، فحينما أفكر في أنني لا محالة مائت، وأنني لابد من أن أموت وحدي، فإن الجذع يستولي على نفسي، حتى لا أكاد أن أتصور نفسي ميتاً حياً في أعماق قبر مظلم ساكن! والواقع أنني أرى الآخرين يموتون، فلا تلبث شخصياتهم أن تستحيل إلى" موضوعات"، وهذا التحول نفسه هو عندي من مصادر رهبتي من الموت! أجل فإنني حتى الآن أشعر بذاتي، وأخلق بذاتي، وأبدع لنفسي من القيم ما أشاء، فإذا ما دهمني" الموت"، استحالت ذاتي إلى" موضوع"، وأصبحت بجملتي ملكاً" للآخرين".
2. الموت والقلق
إن الإنسان هو الكائن" القلق"، فهو يسأل دائماً عن الحياة ومعناها، وعن وجوده من حيث معناه. وحينما يعبر هيدجر عن الطابع الوجودي للموجود فيقول:« إن الاستباق( إلى إمكانية الاستحالة أو انعدام كل إمكانية) يكشف للآنية عن ضياعها في" آنية الناس"، ويدفع بها_ دون اعتماد على الرعاية والاهتمام من جانب الآخرين_ إلى إمكانية أن تصبح هي ذاتها، ولكنه يدفعها أيضاً إلى الحرية من أجل الموت، هذه الحرية المتوقدة بالحماس، الخالص من أوهام الناس، الحرية الفعلية الموقنة بنفسها والقلقة من نفسها».
هيدجر في حديثه عن" القلق" Angst لا يتحدث عن مفهوم عقلي أو تصور ذهني، بل هو يتحدث عن شعور حي أو عاصفة وجودية تضعنا وجهاً لوجه بإزاء ذلك" العدم" الأصلي الذي يكمن من وراء وجودنا. فإن القلق هو الذي يكشف لنا، بطريقة يقينية مباشرة، أن وجودنا متناه، عرضي، عديم الثبات. فإن القلق موضوعه ذلك" العدم" الكامن فيما وراء وجودنا، والذي هو بمثابة فاعلية باطنة هدامة. وإن ما يولد فينا القلق هو العالم نفسه، أو هو واقعة" وجودنا في العالم"، فإننا هنا بإزاء وقعة محض، عارية، لا هوادة فيها ولا رحمة. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجودات متناهية قد جعلت للموت. إذاً القلق الذي تشعر به الآنية إزاء الموت هو القلق إزاء أخص إمكانيات وجودها التي تجردت من كل علاقة واستحالت على كل تخط أو نجاة. وما يقلق منه القلق هو الوجود_ في_ العالم نفسه. وما من أجله يقلق هو إمكان وجود الآنية.
يجب أن نفرق بين" القلق من الموت" وبين" الخوف من انتهاء الحياة"، فليس هذا القلق هو حالة تنتاب الفرد، وإنما هو تأثر وجداني أساسي للآنية، وهو انفتاح على حقيقة كونها وجوداً" مرمياً" ملقى به، موجودا لأجل موته.و" القلق" ليس هو" الخوف"، لأن الخوف هو دائماً خوف من شيء معين، أما القلق فيتعلق بالأشياء كلها في مجموعها. إن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء، إذ نشعر في القلق بأننا نحن وكل الأشياء والأحياء قد انزلقنا في هاوية غامضة غير محددة. ومن المفيد هنا أن نذكر هذا "القلق" يسمى عند علماء النفس" القلق الوجودي"، أي القلق الذي يشعر به الإنسان إزاء وجوده وكيف يحيا وجوده؟
إن القلق عند هيدجر نابع من العدم المحيط بالوجود بل والمتناسج في الوجود. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجدات متناهية قد جعلت للموت. فالقلق من الموت هو ما يشعرني بالفردية إلى الحد الأعلى من الشعور. ومن هنا كان هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود الذات الحقيقي. هيدجر إذاً اعتبر "القلق" معين للإنسان على أن يحيا وجوده وجوداً أصيلاً.
3. الموت والعدم
في كفاح الإنسان من أجل البقاء لا بد أن يصطدم بخصم لم ولن يقهره أحد من البشر، وهو الموت. وهذا الموت يرتبط بموضوع هام ألا وهو" العدم"، فإن مشكلة العدم_ في نظر هيدجر_ هي المشكلة الميتافيزيقية الأولى، فذلك لأن من شأنها أن تضعنا( نحن السائلين) موضع السؤال. إن فكرة العدم تكاد تكون داخلة في صميم الوجود البشري باعتباره تساؤلاً ميتافيزيقياً، فوجودنا نفسه ينطوي في صميمه على تساؤل مستمر عن حقيقة ذلك العدم الذي يتهددنا باستمرار. وهذا ما يشرحه لنا وجودنا ذاته، فهناك عاطفة الملال من كل ما في الحياة من أشياء وأحياء، وهذا يكشف لنا عن العدم، عدم الحياة. وهناك أيضاً عاطفة القلق، فإن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء.
مادامت حياتنا سيراً مستمراً نحو الموت، فإننا لا بد من أن نعلو على ذواتنا متجهين نحو ذلك" العدم" الذي قد جعل منه كل شيء. فليس إذاً" العدم" مجرد مفهوم مقابل لمفهوم" الوجود"، بل هو من مقومات الوجود نفسه باعتباره داخلاً منذ البداية في صميم ماهيته. ويقرب هيدجر فكرة العدم من فكرة الوجود، فهو يقول إن ما ندركه حينما نتمثل العدم إنما هو الوجود نفسه! وهذا التناقض يدل على أن مشكلة الوجود_ كما قال هيدجر نفسه_ لا تقبل الحل، أو هي على أقل تقدير لا تقبل أي حل عقلي.
يقول هيدجر:« إن العدم ينكشف في القلق، ولكن ليس كوجود، إن العدم يكشف نفسه في القلق ومن خلال القلق… في القلق يجري مواجهة العدم… في الليل الجلي للعدم الخاص بالقلق فإن الانفتاح الأصلي للموجودات كموجودات ينبثق… إنها موجودات وليست عدماً… إن ماهية العدم العادم الأصلي يكمن في أنها التي تحضر الوجود الإنساني لأول مرة أمام الموجودات كموجودات». يظهر العدم كشرط لتحقيق الوجود أو لانكشافه، لأن العدم يظهر لي في كل فعل من أفعال الوجود، فإن العدم ينفذ في كل الوجود ويتفشى فيه. ويكفي مجرد أن تنبيه الاهتمام إليه لكي ينكشف لي في كل فعل. فليس القلق هو الذي يوجد العدم، إن صح التعبير، بل هو فقط الذي ينبه الإنسان إلى وجوده.
4. الموت والوجود الأصيل
يقول هيدجر:« إذا كان على الإنسان أن ينبعث من الخسران إلى الأصالة، فإنه لن يستطيع أن يكون هكذا إلا في عزلة عن الحشد أو الناس الذين يغتصبونه يشتتونه؛ والموت وحده أو العلاقة بالموت هي التي تحقق مثل هذه العزلة لأن موتي هو الحادثة الوحيدة في حياتي التي هي خاصة بي بشكل فريد ومطلق» . فيتصور هيدجر أن الموت هو شرط ضروري للوجود الحقيقي، وعند إدراك هذا يسهم في اغتراب الإنسان؛ إن الموت يدعونا إلى أن نغير نظرتنا إلى الواقع المباشر فيبدو في ضؤ الموت وكأنه ليس واقعاً. وهذا الإدراك يساعد على الخروج من حالة التشؤ والتشتت في الموجودات.
إن قدرة الآنية على استباق ذاتها إلى ما لم يوجد بعد وإن كان ينتمي إليها بالفعل_ أي الموت_ هذه القدرة على أن تكون في المستقبل؛ هي التي تمكنها من الرجوع زمنها المنقضي وصونه من الضياع. فكأن استشعار الموت والإحساس بالنهاية هو الذي يحي الماضي ويعيدنا إلى ذكرياته… وعن طريق الاستباق إلى الموت أو النهاية، تجد الآنية نفسها في موقف؛ فتتعامل مع الوجود تعاملها مع شيء تشغل به، وتتيح له أن يلتقي بها وجها لوجه. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة، وأنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله؛ فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان" .
لا يعني كل ما سلف أن هيدجر يدعونا إلى التهرب من أعمالنا العادية، والانصراف عن مهامنا اليومية؛ بل إننا نراه يقرر على عكس من ذلك أنه لا بد للإنسان من أن يشد كل قواه، ويعي كل إمكانياته، للاضطلاع بالمسئولية الملقاة على عاتقه. إن هيدجر لا يريد لمشاغلنا العادية أن تستأثر بفكرنا فتصرفنا عن التفكير في الموت والعمل على انتظاره، ولذلك نراه يقول إن الذات الواعية لا تقبل أن تكون فريسة لخداع المشاغل اليومية؛ بل هي تعرف كيف تعطي كل شيء قيمته، وربما كانت القيمة الوحيدة لمشاغل الحياة العادية هي أنه ليس لها على وجه التحديد أدنى قيمة. فعلينا أن ندرك تمام الإدراك معنى وجدنا، وندخل الموت في حياتنا باعتباره جزء منها وهذا بدوره يسهم في أن نحيا وجودنا حياة حقيقية أصيلة. ولذا لابد للإنسان من أن يعيش في القلق لينتبه إلى حقيقة الوجود. ذلك أن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرار من وجه العدم الماثل في صميم الوجود، وذلك بالسقوط بين الناس وفي الحياة اليومية الزائفة، ولكي يعود إلى ذاته لا بد من قلق كبير يوقظه من سباته وهو التفكير في" إمكانية الاستحالة" أي" الموت" .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://adabbook.yoo7.com
freemen



عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 19/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: ماهية الموت عند هيدجر   2011-10-19, 18:36

Admin كتب:
أولاً: التعريف بالموت
1. الموت ظاهرة يجب فهمها وجودياً
الناس من حولنا لهم أفكار غريبة أو ناقصة عن الموت. فالحياة العامة التي نحياها مع الآخرين تعّرف الموت بوصفه حادثاً يقع كل يوم. وهذا هو الالتباس الذي يقع فيه الناس حين يلغون عن الموت، فليس الموت"حدثاً" أو" حالة وفاة" أو" نهاية" تبلغها الأنا بعد أن تقطع عمراً طويلاً أو قصيراً، كما تصور لنا الأنطولوجيا التقليدية، إنما على_ حد تعبير هيدجر_ « ظاهرة يجب فهمها وجودياً». وهذه الظاهرة لا بد من توضيح معناها المتميز وتحديد معالمها.
إن الموت في نظر الناس شيء غير محدد، لابد أن يأتي من مكان مجهول يصيب مجهولين، فهو مجرد حادث يصيب كل إنسان ولا يصيب إنساناً بالذات. هو حالة مألوفة وواقع متكرر، ولهذا يهربون منه، يحجبون طابع الإمكان الذي ينطوي عليه وما يتصل به من توحد رهيب ينبع من انعدام كل علاقة واستحالة النجاة منه أو تخطيه. وهم بهذا يحرمون الآنية من أخص إمكانيات وجودها، ويزينون لها أن تضيع في الناس ومسكناتهم المألوفة عن الموت. الموت عند الناس يقيني، محتوم، لا مفر منه، ولكن هذا كله يأتي من تجربتهم بموت الآخرين، بحقيقة معروفة جربها كل الناس قبلنا، وقد تقع لمن نرعاه ونعزيه عنها، ولكنها لم تزل بعيدة عنا مؤقتاً. ومثل هذا اليقين المزعوم يلغي اليقين المميز للموت ويحجبه، يقين إمكانه في كل لحظة، وهو الذي ينبع من إمكانية الوجود الخاصة بالآنية نفسها.
يؤكد هيدجر على أن« الوجود الإنساني وجود متناه، وهذا التناهي هو مصدر القول والفعل. وإننا نمارس القول والفعل بالرغم من الموت. فالموت ليس شيئاً عارضاً بل هو نسيج الوجود الإنساني». فليس الموت إذاً حادثاً يطرأ على الحي، بل الحي يحمل الموت بين جوانحه منذ أن بدأ حياته. وإنما يوهم الناس أنفسهم بالفرار من الموت، وذلك بإحالته إلى مجرد وقائع إحصائية لعد الوفيات، أو برده إلى اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت، وكأن الموت يهم الناس ولا يهم أحداً بالذات، مع أنه« في الموت يتم الشعور بالفردية إلى أقصى درجة إذ يشعر من يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد».
2. الموت ليس الثمرة أو القمة العليا
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الموت نظرة طبيعية، كأنما هو أوج عملية النضج المستمر التي تتحقق عبر مراحل الصبا والشباب والرجولة. ولكن الموت لا يشبه سقوط الثمرة الناضجة. ويمكننا القول أن الفناء من الإنسان ليس كالحصاد من الزرع، لأن الإنسان مهدد بالموت في كل لحظة من لحظات حياته، إن لم نقل منذ بداية حياته. والموت واقعة عرضية قد تتحقق قبل الأوان أو بعده، والشباب اليانع دليل على ذلك، فعندما يصرعهم الموت لا يكونون قد أتموا النضج أو الاكتمال، بينما هو قد يمهل شيوخاً طاعنين في السن فلا يقدم إليهم إلا بعد فوات الوقت المناسب.
الموت أيضاً لا يمكن أن يكون أوج الحياة بمعنى القمة العليا التي تبلغها، فهو ليس الثمرة التي تبلغ فيها الحياة تمام نضجها، لأن الحياة لا تبلغ أعلى درجاتها في الموت، لأن الثمرة تمثل التمام بينما الموت تحطيم للحياة وقضاء عليها. وليس الموت وقوفاً للحياة كما يقف المطر، لأنه في الموت لا تختفي الحياة مجرد اختفاء، بل الحياة تنطوي على الموت منذ هي حياة. ولهذا يقول هيدجر:« إن هذا الوجود هو بطبعه وجود لفناء أو وجود للموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجاً للموت». ولذا علينا أن نفهم " إمكان الوجود" في كليته ووحدته الشاملة، ولن نفعل هذا حتى ندخل نهاية الآنية في تحليلاتنا.
ليس" موتي" واقعة تظهر في ختام حياتي، بل هو واقعة ماثلة في صميم حياتي في كل لحظة، أي هي واقعة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفسه. وليس الموت في نظر هيدجر بمثابة فكرة النهاية، بل هو واقعة الانتهاء نفسها. وهذا هو السبب في أن هيدجر لا يرى في الموت عرضاً أوحدثاً يأتي من الخارج ، بل هو يرى فيه إلى إمكانية من إمكانيات الوجود الإنساني. وإذا كان البعض قد ظن أن الموت عند هيدجر هو" استحالة كل إمكانية"، فعليهم أن يعيدوا تصحيح هذه الصيغة ويقولوا إن الموت عنده هو" إمكانية الاستحالة". وهذا
يعني أن الموجود الإنساني حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفردية وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته.
الموت إذن لا يعّبر عن اكتمال أو تحقق، لأنه لا يحقق النضوج، إنما الموت هو أسلوب في الوجود لا يكاد ينفصل عن حياة الموجود البشري. فكم من آنية انتهت قبل أن تبلغ الكمال؟ وكم من آنية بلغت الكمال قبل موتها أو انتهت مستهلكة بعيدة كل البعد عن الكمال؟ فكيف يكون الموت نهاية الآنية؟ ويعبر هيدجر عن ذلك قائلاً:« وبقدر ما تكون الآنية _ ما بقيت كائنة_ هي ما ليس بعد، بقدر ما تكون دائما هي نهايتها. والانتهاء الذي نصفه بالموت لا يعني بلوغ النهاية، بل يعني الوجود من أجل الانتهاء».
3. الوجود لأجل الموت
الموت ظاهرة من ظواهر الحياة. والحياة أسلوب وجود مرتبط بالوجود في العالم. فكأن الموت هو إمكانية عدم الوجود في العالم أو إمكانية استحالة كل إمكانية. إنه بمجرد أن ينظر الإنسان إلي العالم الموجود، فإن سرعان ما تدب فيه الشيخوخة، وكأنما هو من الهرم بحيث يمكن أن يموت. وبهذا المعني يمكننا أن نقول أن فعل الحياة، بالنسبة إلينا، إنما ينحصر في أننا نحيا موتنا! ولعل هذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، بل قد تعد نهايتنا حاضرة بمعنى ما من المعاني حتى قبل أن تحين ساعة الموت، فيكون تقبلنا للموت في هذه الحالة بمثابة انتظار مستمر للحظة النهاية.
إن الموت داخل منذ لحظة الميلاد، ولهذا وجود الإنسان وجود نحو الموت، فعلى حد تعبير هيدجر: «مع الموت يقف الوجود الإنساني أمام ذاته في إمكانيته». فإن وجودي هو وجود نحو الموت، فالموت هو الإمكانية القصوى للإنسان، وهو الذي يطرح التساؤل: ماذا أفعل بوجودي هذا المتجهة نحو الموت؟ إنه علي أن أحول وجودي إلى عمل بتكثيف إمكانياتي حتى يمكن للوجود أن ينكشف، فالموت واقف في انفتاح الوجود.
ليس الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يعرف أنه فانٍ فحسب، بل إن الإنسان أيضاً هو الموجود الوحيد الذي يدخل الموت في صميم وجوده باعتباره أعلى ما لديه من إمكانيات. فهذا الحدّ الأليم_ حد الموت أوالفناء أو التناهي_ هو الذي يحدد الوجود الإنساني ويميزه، بحيث قد يكون من الممكن أن نقول أن الوجود البشري بطبيعته" وجود للموت" أو " وجود من أجل الموت"، أي أننا مجعولون للموت. فوجودي هو الشيء الوحيد الذي أملكه، وهو أيضاً الشيء الوحيد الذي أنا معرض لفقدانه في كل لحظة.
ليس إذن للانتحار، في نظر هيدجر، أي معنى، فإنه لا يغير شيئاً من طبيعة الوجود الإنساني باعتباره وجود مجعولاً للموت. فإن الذات التي تدرك معنى" الوجود" لا تقدم على الانتحار ولا تتعجل الموت، بل هي تتقبل بحريتها ذلك" التناهي" المستمر الذي هو صميم وجودها. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة ,فإنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله، فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان". فإننا نحن نحيا كل يوم موتنا، نحياه في أقوالنا وأفعالنا وعلاقتنا. فالآنية_ من حيث هي وجود_ يجعلها تموت دائماً وبالفعل، ما بقيت موجودة ولم تبلغ نهايتها بعد. ومعنى أنها تموت دائماً وبالفعل في كل لحظة تقع بين الميلاد والوفاة، إنها اختارت بشكل من الأشكال نوع وجودها للموت.
ليس الموت براجع إلى نقص في معرفتنا العلمية، أو إلى وجود بعض الثغرات في علوم الحياة، وإنما هو الضريبة الفادحة التي لابد من أن يدفعها الموجود البشري المتناهي حتى يتسنى له أن يحقق مصيره في الزمان. وقد جعل هيدجر من الوجود البشري وجوداً متناهياً يسير نحو الموت، فقال بأن" موتي" هو أعلى إمكانية من إمكانياتي، وتلك هي إمكانية عجزي عن تحقيق أي وجود في العالم. وقد عبّر زكريا إبراهيم عن ذلك العجز، بقولاً معبراً، فقال: إن الموت:« هو مرض ميتافيزيقي لا علاج له! إنها لعنة التناهي التي تخل بالإنسان منذ ولادته، وكأنما كتب عليه أن يموت لمجرد أنه قد ولد! آية ذلك أن الإنسان" يموت"، لا لأنه" يمرض" أو" يهرم" أو" يصاب بحادث"، بل لمجرد أنه" يولد" أو" يعيش"! والموت حق على كل إنسان: فإن ضرورة الفناء لهي_ بمعنى ما من المعاني_ ماهية الحياة ».
ويمكننا أن نقول مع هيدجر أن الإنسان لا يوجد إلا في وجه الموت، مادامت الحياة والموت متداخلتين في صميم الوجود الواعي للإنسان. وهذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، ونعد نهايتنا حاضرة. فالموت إذن ليس حدثاً ولا واقعة فحسب، إنما هو يتغلغل في حياتنا كل لحظة من الميلاد إلى الوفاة.
4. الموت هو إمكانية الاستحالة
إن هيدجر يرى في الموت« أعلى إمكانية من إمكانيات الوجود البشري» ، فليس الموت عند هيدجر استحالة كل إمكانية بل الأصح هو إمكانية الاستحالة. وهذا يعني أن الموجود البشري حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفرادة وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته. فعلى الإنسان أن يتمثل للموت باعتباره أعلى إمكانية من وجوده الإنساني. وأننا لا يمكن أن ندرك ذواتنا إدراكاً كلياً شاملاً، إلا إذا عرفنا أنفسنا باعتبارنا موجودات فانية يدخل الموت في صميم إمكانيات وجودها.
الموت من حيث هو أعلى إمكانيات هذا الوجود وأشدها خصوصية وتفرداً، هو يختلف عن إمكان وجود شيء من الأشياء التي تحت تصرفنا وفي متناول أيدينا، أن نجدها حاضرة أمامنا. والآنية تسلك إزاءه مسلك الانتظار والتوتر والترقب لإمكانية ستقع يقيناً ولكن في وقت غير معلوم. ولذا يوصف الوجود للموت بأنه استباق إلى الإمكانية، أي إمكانية كل وجود أو" استحالته".إذا كانت حياتنا في صميمها هي سلسلة من المشروعات والتصميمات، أو إذا كان وجودنا هو في جوهره اتجاه مستمر نحو ممكناتنا، فإنه لابد من أن تجيء لحظة نجد فيها أنفسنا بإزاء استحالة كل إمكانية، وتلك هي لحظة الموت.
ثانياً: معضلات في طريق الموت
1. موتي أنا
إن الكائنات الحية من نبات وحيوان تنتهي، أما الإنسان فهو وحده الذي يموت. لأنه هو وحده الذي يهتم بأعلى إمكانيات وجوده وأخصها، وهي إمكانية استحالته وانتهائه وموته. وإننا نرى الآخرين يموتون، ولكننا لا نختبر بذواتنا معنى الموت بالنسبة إلى الشخص الذي يموت. ويرى هيدجر أنه حينما أتحدث عن واقعة" موتي"، فإنني أتحدث عن واقعة شخصية. فبقدر ما يكون الموت، يكون أساساً موتي أنا.
يصعب على الإنسان أن يتصور موته هو، لأن واقعة موته تضطره أن يتصور العالم بدونه، وهذا ما لا سبيل له إلى تصوره! ومن هنا فإنه يظن أن الموت قد يصيب غيره من البشر، هذا الشعور هو أن إحساس الإنسان بالوجود هو من الشدة بحيث أن كل فرد منا لينسب إلى نفسه ميزة البقاء. وعبر زكريا إبراهيم عن هذا قائلاً:« لماذا كتب علي أن أموت وحدي؟! يخيل إلي أنه ليس أقسى على نفس المحتضر من أن يشعر أنه يموت وحده، وأن العالم مستمر من بعده، دون أن يحفل بغيابه في كثير أو قليل! أليس في الموت وحدة أليمة تزيد من هوله. وتجعل منه واقعة فردية أليمة ».
يتم في الموت الشعور بالفردية إلى أقصى درجة، فيشعر الإنسان الذي يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد، وعلى حد تعبير هيدجر:« ما من أحد ينوب عن الآخر أو يحمل عنه موته». فيستحيل أن ينوب عني أحد كما يحدث في أسلوب حياتنا اليومية مع الآخرين. فقد حتم على الآنية أن تتحمل موتها بنفسها. ولا يستطيع أحد أن يحمل عنها عبء موتها فيقوم بالموت بدلاً منها. فبهذا المعنى موتي أنا هو المشكلة، فحينما أفكر في أنني لا محالة مائت، وأنني لابد من أن أموت وحدي، فإن الجذع يستولي على نفسي، حتى لا أكاد أن أتصور نفسي ميتاً حياً في أعماق قبر مظلم ساكن! والواقع أنني أرى الآخرين يموتون، فلا تلبث شخصياتهم أن تستحيل إلى" موضوعات"، وهذا التحول نفسه هو عندي من مصادر رهبتي من الموت! أجل فإنني حتى الآن أشعر بذاتي، وأخلق بذاتي، وأبدع لنفسي من القيم ما أشاء، فإذا ما دهمني" الموت"، استحالت ذاتي إلى" موضوع"، وأصبحت بجملتي ملكاً" للآخرين".
2. الموت والقلق
إن الإنسان هو الكائن" القلق"، فهو يسأل دائماً عن الحياة ومعناها، وعن وجوده من حيث معناه. وحينما يعبر هيدجر عن الطابع الوجودي للموجود فيقول:« إن الاستباق( إلى إمكانية الاستحالة أو انعدام كل إمكانية) يكشف للآنية عن ضياعها في" آنية الناس"، ويدفع بها_ دون اعتماد على الرعاية والاهتمام من جانب الآخرين_ إلى إمكانية أن تصبح هي ذاتها، ولكنه يدفعها أيضاً إلى الحرية من أجل الموت، هذه الحرية المتوقدة بالحماس، الخالص من أوهام الناس، الحرية الفعلية الموقنة بنفسها والقلقة من نفسها».
هيدجر في حديثه عن" القلق" Angst لا يتحدث عن مفهوم عقلي أو تصور ذهني، بل هو يتحدث عن شعور حي أو عاصفة وجودية تضعنا وجهاً لوجه بإزاء ذلك" العدم" الأصلي الذي يكمن من وراء وجودنا. فإن القلق هو الذي يكشف لنا، بطريقة يقينية مباشرة، أن وجودنا متناه، عرضي، عديم الثبات. فإن القلق موضوعه ذلك" العدم" الكامن فيما وراء وجودنا، والذي هو بمثابة فاعلية باطنة هدامة. وإن ما يولد فينا القلق هو العالم نفسه، أو هو واقعة" وجودنا في العالم"، فإننا هنا بإزاء وقعة محض، عارية، لا هوادة فيها ولا رحمة. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجودات متناهية قد جعلت للموت. إذاً القلق الذي تشعر به الآنية إزاء الموت هو القلق إزاء أخص إمكانيات وجودها التي تجردت من كل علاقة واستحالت على كل تخط أو نجاة. وما يقلق منه القلق هو الوجود_ في_ العالم نفسه. وما من أجله يقلق هو إمكان وجود الآنية.
يجب أن نفرق بين" القلق من الموت" وبين" الخوف من انتهاء الحياة"، فليس هذا القلق هو حالة تنتاب الفرد، وإنما هو تأثر وجداني أساسي للآنية، وهو انفتاح على حقيقة كونها وجوداً" مرمياً" ملقى به، موجودا لأجل موته.و" القلق" ليس هو" الخوف"، لأن الخوف هو دائماً خوف من شيء معين، أما القلق فيتعلق بالأشياء كلها في مجموعها. إن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء، إذ نشعر في القلق بأننا نحن وكل الأشياء والأحياء قد انزلقنا في هاوية غامضة غير محددة. ومن المفيد هنا أن نذكر هذا "القلق" يسمى عند علماء النفس" القلق الوجودي"، أي القلق الذي يشعر به الإنسان إزاء وجوده وكيف يحيا وجوده؟
إن القلق عند هيدجر نابع من العدم المحيط بالوجود بل والمتناسج في الوجود. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجدات متناهية قد جعلت للموت. فالقلق من الموت هو ما يشعرني بالفردية إلى الحد الأعلى من الشعور. ومن هنا كان هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود الذات الحقيقي. هيدجر إذاً اعتبر "القلق" معين للإنسان على أن يحيا وجوده وجوداً أصيلاً.
3. الموت والعدم
في كفاح الإنسان من أجل البقاء لا بد أن يصطدم بخصم لم ولن يقهره أحد من البشر، وهو الموت. وهذا الموت يرتبط بموضوع هام ألا وهو" العدم"، فإن مشكلة العدم_ في نظر هيدجر_ هي المشكلة الميتافيزيقية الأولى، فذلك لأن من شأنها أن تضعنا( نحن السائلين) موضع السؤال. إن فكرة العدم تكاد تكون داخلة في صميم الوجود البشري باعتباره تساؤلاً ميتافيزيقياً، فوجودنا نفسه ينطوي في صميمه على تساؤل مستمر عن حقيقة ذلك العدم الذي يتهددنا باستمرار. وهذا ما يشرحه لنا وجودنا ذاته، فهناك عاطفة الملال من كل ما في الحياة من أشياء وأحياء، وهذا يكشف لنا عن العدم، عدم الحياة. وهناك أيضاً عاطفة القلق، فإن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء.
مادامت حياتنا سيراً مستمراً نحو الموت، فإننا لا بد من أن نعلو على ذواتنا متجهين نحو ذلك" العدم" الذي قد جعل منه كل شيء. فليس إذاً" العدم" مجرد مفهوم مقابل لمفهوم" الوجود"، بل هو من مقومات الوجود نفسه باعتباره داخلاً منذ البداية في صميم ماهيته. ويقرب هيدجر فكرة العدم من فكرة الوجود، فهو يقول إن ما ندركه حينما نتمثل العدم إنما هو الوجود نفسه! وهذا التناقض يدل على أن مشكلة الوجود_ كما قال هيدجر نفسه_ لا تقبل الحل، أو هي على أقل تقدير لا تقبل أي حل عقلي.
يقول هيدجر:« إن العدم ينكشف في القلق، ولكن ليس كوجود، إن العدم يكشف نفسه في القلق ومن خلال القلق… في القلق يجري مواجهة العدم… في الليل الجلي للعدم الخاص بالقلق فإن الانفتاح الأصلي للموجودات كموجودات ينبثق… إنها موجودات وليست عدماً… إن ماهية العدم العادم الأصلي يكمن في أنها التي تحضر الوجود الإنساني لأول مرة أمام الموجودات كموجودات». يظهر العدم كشرط لتحقيق الوجود أو لانكشافه، لأن العدم يظهر لي في كل فعل من أفعال الوجود، فإن العدم ينفذ في كل الوجود ويتفشى فيه. ويكفي مجرد أن تنبيه الاهتمام إليه لكي ينكشف لي في كل فعل. فليس القلق هو الذي يوجد العدم، إن صح التعبير، بل هو فقط الذي ينبه الإنسان إلى وجوده.
4. الموت والوجود الأصيل
يقول هيدجر:« إذا كان على الإنسان أن ينبعث من الخسران إلى الأصالة، فإنه لن يستطيع أن يكون هكذا إلا في عزلة عن الحشد أو الناس الذين يغتصبونه يشتتونه؛ والموت وحده أو العلاقة بالموت هي التي تحقق مثل هذه العزلة لأن موتي هو الحادثة الوحيدة في حياتي التي هي خاصة بي بشكل فريد ومطلق» . فيتصور هيدجر أن الموت هو شرط ضروري للوجود الحقيقي، وعند إدراك هذا يسهم في اغتراب الإنسان؛ إن الموت يدعونا إلى أن نغير نظرتنا إلى الواقع المباشر فيبدو في ضؤ الموت وكأنه ليس واقعاً. وهذا الإدراك يساعد على الخروج من حالة التشؤ والتشتت في الموجودات.
إن قدرة الآنية على استباق ذاتها إلى ما لم يوجد بعد وإن كان ينتمي إليها بالفعل_ أي الموت_ هذه القدرة على أن تكون في المستقبل؛ هي التي تمكنها من الرجوع زمنها المنقضي وصونه من الضياع. فكأن استشعار الموت والإحساس بالنهاية هو الذي يحي الماضي ويعيدنا إلى ذكرياته… وعن طريق الاستباق إلى الموت أو النهاية، تجد الآنية نفسها في موقف؛ فتتعامل مع الوجود تعاملها مع شيء تشغل به، وتتيح له أن يلتقي بها وجها لوجه. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة، وأنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله؛ فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان" .
لا يعني كل ما سلف أن هيدجر يدعونا إلى التهرب من أعمالنا العادية، والانصراف عن مهامنا اليومية؛ بل إننا نراه يقرر على عكس من ذلك أنه لا بد للإنسان من أن يشد كل قواه، ويعي كل إمكانياته، للاضطلاع بالمسئولية الملقاة على عاتقه. إن هيدجر لا يريد لمشاغلنا العادية أن تستأثر بفكرنا فتصرفنا عن التفكير في الموت والعمل على انتظاره، ولذلك نراه يقول إن الذات الواعية لا تقبل أن تكون فريسة لخداع المشاغل اليومية؛ بل هي تعرف كيف تعطي كل شيء قيمته، وربما كانت القيمة الوحيدة لمشاغل الحياة العادية هي أنه ليس لها على وجه التحديد أدنى قيمة. فعلينا أن ندرك تمام الإدراك معنى وجدنا، وندخل الموت في حياتنا باعتباره جزء منها وهذا بدوره يسهم في أن نحيا وجودنا حياة حقيقية أصيلة. ولذا لابد للإنسان من أن يعيش في القلق لينتبه إلى حقيقة الوجود. ذلك أن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرار من وجه العدم الماثل في صميم الوجود، وذلك بالسقوط بين الناس وفي الحياة اليومية الزائفة، ولكي يعود إلى ذاته لا بد من قلق كبير يوقظه من سباته وهو التفكير في" إمكانية الاستحالة" أي" الموت" .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
freemen



عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 19/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: ماهية الموت عند هيدجر   2011-10-19, 18:37

Admin كتب:
أولاً: التعريف بالموت
1. الموت ظاهرة يجب فهمها وجودياً
الناس من حولنا لهم أفكار غريبة أو ناقصة عن الموت. فالحياة العامة التي نحياها مع الآخرين تعّرف الموت بوصفه حادثاً يقع كل يوم. وهذا هو الالتباس الذي يقع فيه الناس حين يلغون عن الموت، فليس الموت"حدثاً" أو" حالة وفاة" أو" نهاية" تبلغها الأنا بعد أن تقطع عمراً طويلاً أو قصيراً، كما تصور لنا الأنطولوجيا التقليدية، إنما على_ حد تعبير هيدجر_ « ظاهرة يجب فهمها وجودياً». وهذه الظاهرة لا بد من توضيح معناها المتميز وتحديد معالمها.
إن الموت في نظر الناس شيء غير محدد، لابد أن يأتي من مكان مجهول يصيب مجهولين، فهو مجرد حادث يصيب كل إنسان ولا يصيب إنساناً بالذات. هو حالة مألوفة وواقع متكرر، ولهذا يهربون منه، يحجبون طابع الإمكان الذي ينطوي عليه وما يتصل به من توحد رهيب ينبع من انعدام كل علاقة واستحالة النجاة منه أو تخطيه. وهم بهذا يحرمون الآنية من أخص إمكانيات وجودها، ويزينون لها أن تضيع في الناس ومسكناتهم المألوفة عن الموت. الموت عند الناس يقيني، محتوم، لا مفر منه، ولكن هذا كله يأتي من تجربتهم بموت الآخرين، بحقيقة معروفة جربها كل الناس قبلنا، وقد تقع لمن نرعاه ونعزيه عنها، ولكنها لم تزل بعيدة عنا مؤقتاً. ومثل هذا اليقين المزعوم يلغي اليقين المميز للموت ويحجبه، يقين إمكانه في كل لحظة، وهو الذي ينبع من إمكانية الوجود الخاصة بالآنية نفسها.
يؤكد هيدجر على أن« الوجود الإنساني وجود متناه، وهذا التناهي هو مصدر القول والفعل. وإننا نمارس القول والفعل بالرغم من الموت. فالموت ليس شيئاً عارضاً بل هو نسيج الوجود الإنساني». فليس الموت إذاً حادثاً يطرأ على الحي، بل الحي يحمل الموت بين جوانحه منذ أن بدأ حياته. وإنما يوهم الناس أنفسهم بالفرار من الموت، وذلك بإحالته إلى مجرد وقائع إحصائية لعد الوفيات، أو برده إلى اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت، وكأن الموت يهم الناس ولا يهم أحداً بالذات، مع أنه« في الموت يتم الشعور بالفردية إلى أقصى درجة إذ يشعر من يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد».
2. الموت ليس الثمرة أو القمة العليا
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الموت نظرة طبيعية، كأنما هو أوج عملية النضج المستمر التي تتحقق عبر مراحل الصبا والشباب والرجولة. ولكن الموت لا يشبه سقوط الثمرة الناضجة. ويمكننا القول أن الفناء من الإنسان ليس كالحصاد من الزرع، لأن الإنسان مهدد بالموت في كل لحظة من لحظات حياته، إن لم نقل منذ بداية حياته. والموت واقعة عرضية قد تتحقق قبل الأوان أو بعده، والشباب اليانع دليل على ذلك، فعندما يصرعهم الموت لا يكونون قد أتموا النضج أو الاكتمال، بينما هو قد يمهل شيوخاً طاعنين في السن فلا يقدم إليهم إلا بعد فوات الوقت المناسب.
الموت أيضاً لا يمكن أن يكون أوج الحياة بمعنى القمة العليا التي تبلغها، فهو ليس الثمرة التي تبلغ فيها الحياة تمام نضجها، لأن الحياة لا تبلغ أعلى درجاتها في الموت، لأن الثمرة تمثل التمام بينما الموت تحطيم للحياة وقضاء عليها. وليس الموت وقوفاً للحياة كما يقف المطر، لأنه في الموت لا تختفي الحياة مجرد اختفاء، بل الحياة تنطوي على الموت منذ هي حياة. ولهذا يقول هيدجر:« إن هذا الوجود هو بطبعه وجود لفناء أو وجود للموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجاً للموت». ولذا علينا أن نفهم " إمكان الوجود" في كليته ووحدته الشاملة، ولن نفعل هذا حتى ندخل نهاية الآنية في تحليلاتنا.
ليس" موتي" واقعة تظهر في ختام حياتي، بل هو واقعة ماثلة في صميم حياتي في كل لحظة، أي هي واقعة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفسه. وليس الموت في نظر هيدجر بمثابة فكرة النهاية، بل هو واقعة الانتهاء نفسها. وهذا هو السبب في أن هيدجر لا يرى في الموت عرضاً أوحدثاً يأتي من الخارج ، بل هو يرى فيه إلى إمكانية من إمكانيات الوجود الإنساني. وإذا كان البعض قد ظن أن الموت عند هيدجر هو" استحالة كل إمكانية"، فعليهم أن يعيدوا تصحيح هذه الصيغة ويقولوا إن الموت عنده هو" إمكانية الاستحالة". وهذا
يعني أن الموجود الإنساني حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفردية وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته.
الموت إذن لا يعّبر عن اكتمال أو تحقق، لأنه لا يحقق النضوج، إنما الموت هو أسلوب في الوجود لا يكاد ينفصل عن حياة الموجود البشري. فكم من آنية انتهت قبل أن تبلغ الكمال؟ وكم من آنية بلغت الكمال قبل موتها أو انتهت مستهلكة بعيدة كل البعد عن الكمال؟ فكيف يكون الموت نهاية الآنية؟ ويعبر هيدجر عن ذلك قائلاً:« وبقدر ما تكون الآنية _ ما بقيت كائنة_ هي ما ليس بعد، بقدر ما تكون دائما هي نهايتها. والانتهاء الذي نصفه بالموت لا يعني بلوغ النهاية، بل يعني الوجود من أجل الانتهاء».
3. الوجود لأجل الموت
الموت ظاهرة من ظواهر الحياة. والحياة أسلوب وجود مرتبط بالوجود في العالم. فكأن الموت هو إمكانية عدم الوجود في العالم أو إمكانية استحالة كل إمكانية. إنه بمجرد أن ينظر الإنسان إلي العالم الموجود، فإن سرعان ما تدب فيه الشيخوخة، وكأنما هو من الهرم بحيث يمكن أن يموت. وبهذا المعني يمكننا أن نقول أن فعل الحياة، بالنسبة إلينا، إنما ينحصر في أننا نحيا موتنا! ولعل هذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، بل قد تعد نهايتنا حاضرة بمعنى ما من المعاني حتى قبل أن تحين ساعة الموت، فيكون تقبلنا للموت في هذه الحالة بمثابة انتظار مستمر للحظة النهاية.
إن الموت داخل منذ لحظة الميلاد، ولهذا وجود الإنسان وجود نحو الموت، فعلى حد تعبير هيدجر: «مع الموت يقف الوجود الإنساني أمام ذاته في إمكانيته». فإن وجودي هو وجود نحو الموت، فالموت هو الإمكانية القصوى للإنسان، وهو الذي يطرح التساؤل: ماذا أفعل بوجودي هذا المتجهة نحو الموت؟ إنه علي أن أحول وجودي إلى عمل بتكثيف إمكانياتي حتى يمكن للوجود أن ينكشف، فالموت واقف في انفتاح الوجود.
ليس الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يعرف أنه فانٍ فحسب، بل إن الإنسان أيضاً هو الموجود الوحيد الذي يدخل الموت في صميم وجوده باعتباره أعلى ما لديه من إمكانيات. فهذا الحدّ الأليم_ حد الموت أوالفناء أو التناهي_ هو الذي يحدد الوجود الإنساني ويميزه، بحيث قد يكون من الممكن أن نقول أن الوجود البشري بطبيعته" وجود للموت" أو " وجود من أجل الموت"، أي أننا مجعولون للموت. فوجودي هو الشيء الوحيد الذي أملكه، وهو أيضاً الشيء الوحيد الذي أنا معرض لفقدانه في كل لحظة.
ليس إذن للانتحار، في نظر هيدجر، أي معنى، فإنه لا يغير شيئاً من طبيعة الوجود الإنساني باعتباره وجود مجعولاً للموت. فإن الذات التي تدرك معنى" الوجود" لا تقدم على الانتحار ولا تتعجل الموت، بل هي تتقبل بحريتها ذلك" التناهي" المستمر الذي هو صميم وجودها. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة ,فإنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله، فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان". فإننا نحن نحيا كل يوم موتنا، نحياه في أقوالنا وأفعالنا وعلاقتنا. فالآنية_ من حيث هي وجود_ يجعلها تموت دائماً وبالفعل، ما بقيت موجودة ولم تبلغ نهايتها بعد. ومعنى أنها تموت دائماً وبالفعل في كل لحظة تقع بين الميلاد والوفاة، إنها اختارت بشكل من الأشكال نوع وجودها للموت.
ليس الموت براجع إلى نقص في معرفتنا العلمية، أو إلى وجود بعض الثغرات في علوم الحياة، وإنما هو الضريبة الفادحة التي لابد من أن يدفعها الموجود البشري المتناهي حتى يتسنى له أن يحقق مصيره في الزمان. وقد جعل هيدجر من الوجود البشري وجوداً متناهياً يسير نحو الموت، فقال بأن" موتي" هو أعلى إمكانية من إمكانياتي، وتلك هي إمكانية عجزي عن تحقيق أي وجود في العالم. وقد عبّر زكريا إبراهيم عن ذلك العجز، بقولاً معبراً، فقال: إن الموت:« هو مرض ميتافيزيقي لا علاج له! إنها لعنة التناهي التي تخل بالإنسان منذ ولادته، وكأنما كتب عليه أن يموت لمجرد أنه قد ولد! آية ذلك أن الإنسان" يموت"، لا لأنه" يمرض" أو" يهرم" أو" يصاب بحادث"، بل لمجرد أنه" يولد" أو" يعيش"! والموت حق على كل إنسان: فإن ضرورة الفناء لهي_ بمعنى ما من المعاني_ ماهية الحياة ».
ويمكننا أن نقول مع هيدجر أن الإنسان لا يوجد إلا في وجه الموت، مادامت الحياة والموت متداخلتين في صميم الوجود الواعي للإنسان. وهذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، ونعد نهايتنا حاضرة. فالموت إذن ليس حدثاً ولا واقعة فحسب، إنما هو يتغلغل في حياتنا كل لحظة من الميلاد إلى الوفاة.
4. الموت هو إمكانية الاستحالة
إن هيدجر يرى في الموت« أعلى إمكانية من إمكانيات الوجود البشري» ، فليس الموت عند هيدجر استحالة كل إمكانية بل الأصح هو إمكانية الاستحالة. وهذا يعني أن الموجود البشري حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفرادة وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته. فعلى الإنسان أن يتمثل للموت باعتباره أعلى إمكانية من وجوده الإنساني. وأننا لا يمكن أن ندرك ذواتنا إدراكاً كلياً شاملاً، إلا إذا عرفنا أنفسنا باعتبارنا موجودات فانية يدخل الموت في صميم إمكانيات وجودها.
الموت من حيث هو أعلى إمكانيات هذا الوجود وأشدها خصوصية وتفرداً، هو يختلف عن إمكان وجود شيء من الأشياء التي تحت تصرفنا وفي متناول أيدينا، أن نجدها حاضرة أمامنا. والآنية تسلك إزاءه مسلك الانتظار والتوتر والترقب لإمكانية ستقع يقيناً ولكن في وقت غير معلوم. ولذا يوصف الوجود للموت بأنه استباق إلى الإمكانية، أي إمكانية كل وجود أو" استحالته".إذا كانت حياتنا في صميمها هي سلسلة من المشروعات والتصميمات، أو إذا كان وجودنا هو في جوهره اتجاه مستمر نحو ممكناتنا، فإنه لابد من أن تجيء لحظة نجد فيها أنفسنا بإزاء استحالة كل إمكانية، وتلك هي لحظة الموت.
ثانياً: معضلات في طريق الموت
1. موتي أنا
إن الكائنات الحية من نبات وحيوان تنتهي، أما الإنسان فهو وحده الذي يموت. لأنه هو وحده الذي يهتم بأعلى إمكانيات وجوده وأخصها، وهي إمكانية استحالته وانتهائه وموته. وإننا نرى الآخرين يموتون، ولكننا لا نختبر بذواتنا معنى الموت بالنسبة إلى الشخص الذي يموت. ويرى هيدجر أنه حينما أتحدث عن واقعة" موتي"، فإنني أتحدث عن واقعة شخصية. فبقدر ما يكون الموت، يكون أساساً موتي أنا.
يصعب على الإنسان أن يتصور موته هو، لأن واقعة موته تضطره أن يتصور العالم بدونه، وهذا ما لا سبيل له إلى تصوره! ومن هنا فإنه يظن أن الموت قد يصيب غيره من البشر، هذا الشعور هو أن إحساس الإنسان بالوجود هو من الشدة بحيث أن كل فرد منا لينسب إلى نفسه ميزة البقاء. وعبر زكريا إبراهيم عن هذا قائلاً:« لماذا كتب علي أن أموت وحدي؟! يخيل إلي أنه ليس أقسى على نفس المحتضر من أن يشعر أنه يموت وحده، وأن العالم مستمر من بعده، دون أن يحفل بغيابه في كثير أو قليل! أليس في الموت وحدة أليمة تزيد من هوله. وتجعل منه واقعة فردية أليمة ».
يتم في الموت الشعور بالفردية إلى أقصى درجة، فيشعر الإنسان الذي يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد، وعلى حد تعبير هيدجر:« ما من أحد ينوب عن الآخر أو يحمل عنه موته». فيستحيل أن ينوب عني أحد كما يحدث في أسلوب حياتنا اليومية مع الآخرين. فقد حتم على الآنية أن تتحمل موتها بنفسها. ولا يستطيع أحد أن يحمل عنها عبء موتها فيقوم بالموت بدلاً منها. فبهذا المعنى موتي أنا هو المشكلة، فحينما أفكر في أنني لا محالة مائت، وأنني لابد من أن أموت وحدي، فإن الجذع يستولي على نفسي، حتى لا أكاد أن أتصور نفسي ميتاً حياً في أعماق قبر مظلم ساكن! والواقع أنني أرى الآخرين يموتون، فلا تلبث شخصياتهم أن تستحيل إلى" موضوعات"، وهذا التحول نفسه هو عندي من مصادر رهبتي من الموت! أجل فإنني حتى الآن أشعر بذاتي، وأخلق بذاتي، وأبدع لنفسي من القيم ما أشاء، فإذا ما دهمني" الموت"، استحالت ذاتي إلى" موضوع"، وأصبحت بجملتي ملكاً" للآخرين".
2. الموت والقلق
إن الإنسان هو الكائن" القلق"، فهو يسأل دائماً عن الحياة ومعناها، وعن وجوده من حيث معناه. وحينما يعبر هيدجر عن الطابع الوجودي للموجود فيقول:« إن الاستباق( إلى إمكانية الاستحالة أو انعدام كل إمكانية) يكشف للآنية عن ضياعها في" آنية الناس"، ويدفع بها_ دون اعتماد على الرعاية والاهتمام من جانب الآخرين_ إلى إمكانية أن تصبح هي ذاتها، ولكنه يدفعها أيضاً إلى الحرية من أجل الموت، هذه الحرية المتوقدة بالحماس، الخالص من أوهام الناس، الحرية الفعلية الموقنة بنفسها والقلقة من نفسها».
هيدجر في حديثه عن" القلق" Angst لا يتحدث عن مفهوم عقلي أو تصور ذهني، بل هو يتحدث عن شعور حي أو عاصفة وجودية تضعنا وجهاً لوجه بإزاء ذلك" العدم" الأصلي الذي يكمن من وراء وجودنا. فإن القلق هو الذي يكشف لنا، بطريقة يقينية مباشرة، أن وجودنا متناه، عرضي، عديم الثبات. فإن القلق موضوعه ذلك" العدم" الكامن فيما وراء وجودنا، والذي هو بمثابة فاعلية باطنة هدامة. وإن ما يولد فينا القلق هو العالم نفسه، أو هو واقعة" وجودنا في العالم"، فإننا هنا بإزاء وقعة محض، عارية، لا هوادة فيها ولا رحمة. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجودات متناهية قد جعلت للموت. إذاً القلق الذي تشعر به الآنية إزاء الموت هو القلق إزاء أخص إمكانيات وجودها التي تجردت من كل علاقة واستحالت على كل تخط أو نجاة. وما يقلق منه القلق هو الوجود_ في_ العالم نفسه. وما من أجله يقلق هو إمكان وجود الآنية.
يجب أن نفرق بين" القلق من الموت" وبين" الخوف من انتهاء الحياة"، فليس هذا القلق هو حالة تنتاب الفرد، وإنما هو تأثر وجداني أساسي للآنية، وهو انفتاح على حقيقة كونها وجوداً" مرمياً" ملقى به، موجودا لأجل موته.و" القلق" ليس هو" الخوف"، لأن الخوف هو دائماً خوف من شيء معين، أما القلق فيتعلق بالأشياء كلها في مجموعها. إن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء، إذ نشعر في القلق بأننا نحن وكل الأشياء والأحياء قد انزلقنا في هاوية غامضة غير محددة. ومن المفيد هنا أن نذكر هذا "القلق" يسمى عند علماء النفس" القلق الوجودي"، أي القلق الذي يشعر به الإنسان إزاء وجوده وكيف يحيا وجوده؟
إن القلق عند هيدجر نابع من العدم المحيط بالوجود بل والمتناسج في الوجود. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجدات متناهية قد جعلت للموت. فالقلق من الموت هو ما يشعرني بالفردية إلى الحد الأعلى من الشعور. ومن هنا كان هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود الذات الحقيقي. هيدجر إذاً اعتبر "القلق" معين للإنسان على أن يحيا وجوده وجوداً أصيلاً.
3. الموت والعدم
في كفاح الإنسان من أجل البقاء لا بد أن يصطدم بخصم لم ولن يقهره أحد من البشر، وهو الموت. وهذا الموت يرتبط بموضوع هام ألا وهو" العدم"، فإن مشكلة العدم_ في نظر هيدجر_ هي المشكلة الميتافيزيقية الأولى، فذلك لأن من شأنها أن تضعنا( نحن السائلين) موضع السؤال. إن فكرة العدم تكاد تكون داخلة في صميم الوجود البشري باعتباره تساؤلاً ميتافيزيقياً، فوجودنا نفسه ينطوي في صميمه على تساؤل مستمر عن حقيقة ذلك العدم الذي يتهددنا باستمرار. وهذا ما يشرحه لنا وجودنا ذاته، فهناك عاطفة الملال من كل ما في الحياة من أشياء وأحياء، وهذا يكشف لنا عن العدم، عدم الحياة. وهناك أيضاً عاطفة القلق، فإن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء.
مادامت حياتنا سيراً مستمراً نحو الموت، فإننا لا بد من أن نعلو على ذواتنا متجهين نحو ذلك" العدم" الذي قد جعل منه كل شيء. فليس إذاً" العدم" مجرد مفهوم مقابل لمفهوم" الوجود"، بل هو من مقومات الوجود نفسه باعتباره داخلاً منذ البداية في صميم ماهيته. ويقرب هيدجر فكرة العدم من فكرة الوجود، فهو يقول إن ما ندركه حينما نتمثل العدم إنما هو الوجود نفسه! وهذا التناقض يدل على أن مشكلة الوجود_ كما قال هيدجر نفسه_ لا تقبل الحل، أو هي على أقل تقدير لا تقبل أي حل عقلي.
يقول هيدجر:« إن العدم ينكشف في القلق، ولكن ليس كوجود، إن العدم يكشف نفسه في القلق ومن خلال القلق… في القلق يجري مواجهة العدم… في الليل الجلي للعدم الخاص بالقلق فإن الانفتاح الأصلي للموجودات كموجودات ينبثق… إنها موجودات وليست عدماً… إن ماهية العدم العادم الأصلي يكمن في أنها التي تحضر الوجود الإنساني لأول مرة أمام الموجودات كموجودات». يظهر العدم كشرط لتحقيق الوجود أو لانكشافه، لأن العدم يظهر لي في كل فعل من أفعال الوجود، فإن العدم ينفذ في كل الوجود ويتفشى فيه. ويكفي مجرد أن تنبيه الاهتمام إليه لكي ينكشف لي في كل فعل. فليس القلق هو الذي يوجد العدم، إن صح التعبير، بل هو فقط الذي ينبه الإنسان إلى وجوده.
4. الموت والوجود الأصيل
يقول هيدجر:« إذا كان على الإنسان أن ينبعث من الخسران إلى الأصالة، فإنه لن يستطيع أن يكون هكذا إلا في عزلة عن الحشد أو الناس الذين يغتصبونه يشتتونه؛ والموت وحده أو العلاقة بالموت هي التي تحقق مثل هذه العزلة لأن موتي هو الحادثة الوحيدة في حياتي التي هي خاصة بي بشكل فريد ومطلق» . فيتصور هيدجر أن الموت هو شرط ضروري للوجود الحقيقي، وعند إدراك هذا يسهم في اغتراب الإنسان؛ إن الموت يدعونا إلى أن نغير نظرتنا إلى الواقع المباشر فيبدو في ضؤ الموت وكأنه ليس واقعاً. وهذا الإدراك يساعد على الخروج من حالة التشؤ والتشتت في الموجودات.
إن قدرة الآنية على استباق ذاتها إلى ما لم يوجد بعد وإن كان ينتمي إليها بالفعل_ أي الموت_ هذه القدرة على أن تكون في المستقبل؛ هي التي تمكنها من الرجوع زمنها المنقضي وصونه من الضياع. فكأن استشعار الموت والإحساس بالنهاية هو الذي يحي الماضي ويعيدنا إلى ذكرياته… وعن طريق الاستباق إلى الموت أو النهاية، تجد الآنية نفسها في موقف؛ فتتعامل مع الوجود تعاملها مع شيء تشغل به، وتتيح له أن يلتقي بها وجها لوجه. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة، وأنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله؛ فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان" .
لا يعني كل ما سلف أن هيدجر يدعونا إلى التهرب من أعمالنا العادية، والانصراف عن مهامنا اليومية؛ بل إننا نراه يقرر على عكس من ذلك أنه لا بد للإنسان من أن يشد كل قواه، ويعي كل إمكانياته، للاضطلاع بالمسئولية الملقاة على عاتقه. إن هيدجر لا يريد لمشاغلنا العادية أن تستأثر بفكرنا فتصرفنا عن التفكير في الموت والعمل على انتظاره، ولذلك نراه يقول إن الذات الواعية لا تقبل أن تكون فريسة لخداع المشاغل اليومية؛ بل هي تعرف كيف تعطي كل شيء قيمته، وربما كانت القيمة الوحيدة لمشاغل الحياة العادية هي أنه ليس لها على وجه التحديد أدنى قيمة. فعلينا أن ندرك تمام الإدراك معنى وجدنا، وندخل الموت في حياتنا باعتباره جزء منها وهذا بدوره يسهم في أن نحيا وجودنا حياة حقيقية أصيلة. ولذا لابد للإنسان من أن يعيش في القلق لينتبه إلى حقيقة الوجود. ذلك أن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرار من وجه العدم الماثل في صميم الوجود، وذلك بالسقوط بين الناس وفي الحياة اليومية الزائفة، ولكي يعود إلى ذاته لا بد من قلق كبير يوقظه من سباته وهو التفكير في" إمكانية الاستحالة" أي" الموت" .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ماهية الموت عند هيدجر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع اكوالتي :: بحوث ودراسات :: منتدى الثقافي-
انتقل الى: